بطموحات حالمة لمعانقة التاج الأوروبي والأمريكي، وبرغبة جامحة في اللحاق بركب دول العالم الأول قصد استكمال العيش هناك، تحدو شريحة مهمة من مجتمعات العالم الثالث، رغبة منقطعة النظير في نقل مستوى العيش من الأدنى للأقصى. وفي حال استحالة الانتقال لمهد النمط الحضاري المنشود، فالحل كامن في نقل كلي لهذا النمط الحضاري لدول الإقامة، لتقع هذه المكونات الاجتماعية فريسة لإيديولوجيا” الاستهلاك”. فما خصائص هذه المجتمعات؟ وأية عوامل مفسرة للنفور من القيم الثقافية الوطنية؟
لا يكاد يخلو أي بيت من بيوت مواطني دول العالم الثالث، من أجهزة ذكية بغية تحقيق المزيد من التواصل الاجتماعي، ومن شغف مشهود بكرة القدم العالمية، ومتابعة دقيقة لألمع نجوم السينما العالمية، كما عرف النظام الغذائي تغييرا راديكالا بدخول الوجبات السريعة والجاهزة لغالبية البيوت، سعيا لربح المزيد من الوقت، من أجل توفيره لمزيد من الترفيه، الملامس للثقافة العالمية. أما عن اللباس، فالباب مفتوح على مصراعيه لتجريب كل الماركات العالمية، ومعانقة كل مستجداتها فور ظهورها.
لا شك أن لإيديولوجيا “التحررlibertaniarim “، دور بارز في نشوء عكسي لإيديولوجيا “الاستهلاك”، فإذا كانت الليبرالية بوصفها وليدة للرأسمالية، والقائمة على حرية الملكية الفردية وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد، قد ساهمت في تحرير كلي للقدرات الفردية نحو التعبير عن غايات وجودها بكل الصيغ اللغوية والفنية والابتكارية والإنتاجية، فإن نقل هذا التوجه الإيديولوجي لدول العالم الثالث، قد ساهم في تغيير كلي للبنى التقليدية والمحافظة، مما أدخل مجتمعاته في جدلية التأثر، فكيف تبدو صورة هذه المجتمعات؟

· اقتصاديا: عرفت غالبية دول العالم الثالث نشوء بارزا لسياسات “الخوصصة”، وذلك من أجل تحرير الدولة من عبء النفقات العمومية، التي تشمل كل القطاعات، لتظل معارك ارتفاع الأسعار وجلب المواد الأولية بين المنتج والمستهلك مباشرة، بدون أية مراقبة لأنظمة التسعير وملائمتها مع أسعار السوق. هذا التوجه الاقتصادي، لم يلغي وظيفة الدولة الاجتماعية، القائمة على ضمان تمدرس مجاني ورعاية صحية للمواطنين، بل قلص وظيفتها التدخلية، لتظل مقتصرة على خلق سياسة اقتصادية بنيوية، تمايز بين أداء القطاع العام والخاص.

· استراتيجيا: لطالما اصطلح على دول العالم الثالث: ” الدول السائرة في طريق النمو”، وينطبق هذا الوصف على سياسات دوله الخارجية، القائمة على سياسة “صفر مشاكل”، وما يتبعها من حزمة متعلقة بالتسويات الودية، والرغبة في نشر خطاب دولي، داع لتقريب وجهات النظر، والحياد الإيجابي في كل القضايا العالقة، مع توطيد للعلاقات مع محاور اقتصادية معينة، تعزيزا للحمائية الاقتصادية ودورها في سيادة الاقتصاد الوطني لهذه الدول.

· ثقافيا : ساهمت سياسات استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وفتح الأسواق التجارية الوطنية أمام الرأسمال الأجنبي، في تشكل أنساق ثقافية قائمة على التعددية، بين ثقافة ترعى تاريخ البلد وحضارته وقيمه المتوارثة، وثقافات مستلهمة من أسس فلسفية، بانية لنمط حضاري معين، ليصير بذلك كل مجتمع ، نموذجا مصغرا “لتطاحن الحضارات”. ولا غرو أن حياد الدولة في الاختيارات الثقافية “الكبرى”، قد عزز من هيمنة ثقافة على حساب أخرى، فالدولة بهذا المنظور، جهاز تنفيذي يدبر شؤون المواطنين الأساسية (الخدمات العمومية الأساسية)، إما تدبيرا مباشرا أو مفوضا.
اجتماعيا: في ظل تعزيز “الحريات الفردية”، وتوسيع أفاق الاندماج المهني، بفعل بروز المهن الجديدة، فإن الاستقلالية الفردية، تجد موطئ قدم، في مقابل تراجع لأدوار “الأسرة ” الكلاسيكية ورمزيتها. كما عرف التواصل الإنساني، ثورة غير مسبوقة، مكنت من جعل العالم قرية مصغرة، مما سنح الفرصة للحريات الفردية بالبروز، إذ صار من الممكن، العمل والعيش في مجتمعات، دون الحاجة لبناء علاقات إنسانية مباشرة. أما مفهوم “الأسرة الممتدة” وقيمها ا، فقد عرف تراجعا مهولا، لتصبح صورة المجتمعات المعاصرة، مقتصرة على نسج علاقات مباشرة مع أفراد الأسرة الصغيرة، والعمل على ترسيخ ثقافة ديبلوماسية قولية وفعلية، في كل ما يتعلق بشؤون الأسرة الممتدة أو الجيران.

ويعزى هذا النفور من الثقافة الوطنية ومرجعياتها المختلفة إلى :

· عدم وضوح السياسات التربوية : بحكم التزام دول العالم الثالث بضمان الحد الأدنى من شروط التمدرس الجيد والمجاني، فإنه من الممكن ترجمة قيم الدولة واختياراتها الكبرى في تنشئة الجيل القادم، الشيء الذي لم تأخذه سياساتها التربوية بعين الاعتبار، فالمناهج الدراسية لا تتضمن اختيارات بيداغوجية كفيلة بتحقيق النجاعة ، ومضامين تعليمية غير منسجمة، حيث أن معارف بيانية معينة قد تجد ما يناقضها من تخصص دراسي لأخر، مما يفسر رغبة الحكومات في جعل التربية والتكوين قطاعات خدماتية، دون إيلاء أي اهتمام لجودة التكوين وطبيعته والياته.

· تراجع الثقافة “العالمة”: بفعل الانتشار المشهود لوسائط التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، صار مؤشر الإقبال على الخبر والمعلومة، مقتصرا على الثقافة الشعبية (متابعة مؤثرين مثلا)، في مقابل تراجع للإعلام الرسمي، ومصادر الثقافة العالمة. وفي ظل عدم قدرة “المثقف ” على مواصلة مهامه التثقيفية في وسائط التواصل الاجتماعي، بفعل عدم القدرة على التأثير في الجمهور، فإن سلطة “المؤثرين” الرمزية، أصبحت موجهة للرأي العام، وموضوعا لمواد صحفية.

· تراجع أدوار “الحكومات” : بفعل إكراهات تدبير الميزانية، والتدبير الظرفي للخدمات العمومية الأساسية، فإن الحكومات قد اختارت رفع الستار عن كل ما يتعلق بتدخل الدولة في الاقتصاد، والثقافة، والتربية، لتظل مهمة الدولة الرئيسة : توفير المواد الأساسية بوفرة بالأسواق، و تأمين البلاد داخليا وخارجيا، وتسليع الخدمات العمومية ( تعليم ، ثقافة، رياضة…) عبر الاهتمام بالبنى التحتية وكفاية الموارد البشرية ، وعدم سن أي تقييم للسياسات العمومية، والقيام بوساطة بين المنتج والمستهلك ضمانا للتوازنات الميكرواقتصادية.
· “اغتراب” مواطني دول العالم الثالث : بفعل التأثر بالثقافة العالمية، فإن شريحة مهمة من مواطني دول العالم الثالث، تعيش صراعا وجوديا داخليا، بين معانقة الحلم الأوروبي والأمريكي، والانصهار مع ثقافة مرغوبة، والعيش في مجتمعات “محافظة”، لا زالت منسجمة مع الثقافة الموروثة. ويشكل هذا الاغتراب، حجرة عثرة أمام التنمية : ما إن تسنح فرصة الهجرة لأحد من المغتربين الداخليين، حتى يغادر دولة الاغتراب ، تاركا وراءه قيم ورأسمال رمزي ومنجزات، بحثا عن المرغوب.
على سبيل الختم، على الرغم من اهتمام حكومات العالم الثالث، بحل إشكاليات التنمية، ومواكبة دينامية مجتمعاتها، إلا أنها بحاجة ماسة لمصالحة اجتماعية حقيقية، قائمة على البناء التنموي، المنطلق من رؤى وتصورات المجتمع، ووضوح في الاختيارات الكبرى للدولة، مع العمل على تعزيز أدوار الدولة في التنمية المجتمعية والتثقيف والتكوين والمأسسة.