كثيرا ما نسمع من المحيطين بنا ملاحظات وتعليقات حول تصرفاتنا وأفعالنا وإنجازاتنا، وغالبا ما تكون تلك التعليقات والعبارات سلبية ومثبطة، فيتأثر بها ذوو العزائم الضعيفة والمبادئ الواهنة لينقلبوا على أعقابهم ويحجموا عن مواصلة دربهم الذي لطالما حلموا بالمسير عليه نحو أهدافهم ومتمنياتهم في الحياة.

إن الآخر ـ بقصد أو بغير قصد ـ لا يتوانى في إطلاق كلمات جارحة وملاحظات تكون حجر عثرة في مسيرتنا، وذلك راجع إلى ضعف التعلق بالدين الإسلامي وأخلاقه الفاضلة المتمثلة في الدعوة إلى الإيجابية والكلمة الطيبة والتعاون على البر والتقوى، وكأن مثل هؤلاء لم يسمع قوله الله تبارك وتعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وقوله عليه الصلاة والسلام: "وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصمُت" (متفق عليه)، ويرجع أيضا إلى قلة اللباقة والكياسة، فما معنى أن تخاطب سواك بقسوة وفظاظة، وما ذا تستفيد من تثبيط عزيمته، وإخماد رغبته في العمل والنجاح؟

وفي وضع كهذا يتحتم علينا ألا نستجيب لهذه المؤثرات وألا ننساق وراءها، بل يجدر بنا تحويلها إلى مصدر طاقة ودافع نحو الانطلاق بقوة أكبر، وأن تعامل المهاجم بنقيض قصده؛ فإن كان هدفه التحبيط والتثبيط، فلتَجعَل كلامه حاملا لك على الجد والمثابرة أكثر، واعتبره تحديا يلزمك مواجهته.

لا شك أن مثل هذه العبارات هي أشبه ما يكون بفحم أسود لا ينفع إلا في أحايين نادرة لمن يحسن استعماله واستغلاله، ونحن ببعض المهارة يمكننا تحويل هذه الرسائل السلبية إلى "فحم حجري"، ولكن ليس كحمل ثقيل يعرقل تقدمنا ويهدر جهدنا، بل لنلقي به في فرن المحرك البخاري ليزداد الماء غليانا وليتضاعف ضغط البخار فينطلق القطار بأقصى قوة يخترق الآفاق بصوت هادر وعزم ثابت، لا ينثني عن وجهته أبدا.

ولنا في تراجم السابقين أدلة على ذلك وأمارات؛ فسيبويه إمام النحاة، كان مشتغلا في الأصل بطلب الحديث، وبينما هو يسرد الحديث على شيحه إذا به يلحن في إعراب إحدى الكلمات، فسمع على إثر ذلك تعليقا لاذعا من شيخه حيث قال له: لو تعلمت النحو كان خيرا لك! لقد قَضَّت هذه العبارة مضجعه وشغلت باله ودفعته إلى الاشتغال بالنحو واللغة حتى صار إمام النحاة، وصار كتابه منطلق النحاة وموردهم من بعده، وإذا ما أطلق "الكتاب" لم ينصرف إلا إليه لمكانته وشهرته.

اجعل آراء الآخرين السلبية حولك وملاحظاتهم وتعليقاتهم نوعا من التحدي، وواحدا من الأمور التي تحملك على الالتزام بأهدافك في الحياة والتشبث بها بكل قواك، وسترى ما مدى الفرق بينك وبين من يركن إلى ما يقوله الآخرون؛ فيستسلم ويستحكم في قلبه الضعف والانهيار. وندعوك في الختام لقراءة مقال آخر بعنوان: أصناف الناس في التعامل مع المشاكل، لتختار الأسلوب الأمثل والأجدى في مواجهة مشكلة النقد السلبي.