الغرب أصل الصراع هو كتاب من تأليف الدكتور عامر عبد المنعم، صادرة عن المركز العربي للدراسات الإنسانية، وهو بحث موجز يدرس الميل إلى الصدام والصراع عن الغرب، وما مدى تجذرها في الفكر الجمعي عند الإنسان الغربي على العموم، وانعكاساتها عليه وعلى العالم أجمع.

تتكون الدراسة من ثمانية مباحث، لن نتناولها بالدقة والترتيب، بل سنكتفي بإيراد المهم حسب ما يتوارد إلى الذهن.

تاريخ الصراع في الغرب:

أول ما بدأ به المؤلف هو الحديث عن البعد التاريخي لنفسية الصراع والصدام في الغرب، فعقلية المواجهة ليست شيئا جديدا في ذلك العالم، بل تعود إلى أقدم حضارة عرفتها تلك الأرض، ألا وهي الحضارة اليونانية، والتي جسدت حب الصراع في عدت مجالات، ليست الحربية منها فحسب، بل على الصعيد الرياضي والفني والديني أيضا، حيث أن أساطيرهم تحكي عن صراع الآلهة وحروبها، وأنها كانت تشارك في المعارك التي يخوضها بنو البشر، فتكون بعضها في صف والأخرى في صف آخر، فيتقاتلون ويتطاحنون.

ثم أتت الحضارة الإغريقية إثر الحضارة اليونانية، محملة بالكثير من اعتقاداتها وفلسفاتها، ومن بين ما حملته فكرة الصراع ونفسية الصدام، لتكون أول حضارة استعمارية وتوسعية عرفها التاريخ، لها صبغتها الخاصة في القتال؛ صبغة العنف والإبادة، كما فعلت مع قرطاج.

عقلية الصراع عند الغرب لا تتعلق بمواجهة الحضارات الأخرى فقط، بل يحكِّمونها فيما بينهم كذلك، إنهم ينفون الآخر ولا يؤمنون بالتعد والاختلاف، فقد واجه الإغريق المسيحية واضطهدوا معتنقيها وضيقوا عليهم الخناق، ونكلوا بهم أشد التنكيل، وبعد مأساة طويلة، ظهر أمر المسيحية ومكن لها في الأرض، ليبدأ مسلسل آخر من الإقصاء مارسته المسيحية ضد اليهودية.

المسيحية وفكرة الصراع:

ومما تناوله الباحث في كتابه هذا هو علاقة الدين بالصراع لدى الإنسان الغربي، ونقصد هنا الديانة المسيحية؛ فهي الديانة الأكبر في الغرب.

كانت المسيحية في الأصل ديانة حب وتسامح، تدعوا إلى الرحمة والإخاء، إلا أنها تكيفت مع نفسية الغرب الصدامية، لتجنح إلى تبرير الصراع وإحاطته بهالة من الشرعية والقداسة، ولقد كان "أوغسطين" ـ أحد رجال الدين المسيحي ـ أول من ساهم في هذا التلاقي، من خلال كتاباته التي روج فيها لمفهوم "الحرب العادلة"! ولما انقسمت المسيحية على نفسها إلى كاثوليكية وبروتستانتية، نشبت بين الفصيلين حروب دموية دامت سنين طويلة أنهكت جسد القارة العجوز.

فكرة الصراع والعداءُ للإسلام:

وكان مما عرض له الباحث مواجهة الغرب للإسلام، تلك المواجهة التي حركتها نزوات الصراع والقضاء على الآخر، ولقد كانت أولى شراراتها قتل مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم إلى زعيم الروم، تلك الجريمة التي تستنكرها كل الأعراف البشرية، سواء في الحرب أو في السلم، لتنطلق بعد ذلك سلسلة من الصدمات والمواجهات لم تنته حتى الآن، يقسمها الباحث إلى ثلاثة أنواع: الحروب الصليبية، الحروب الاستعمارية، والحروب الاستباقية.

وقد يقول البعض بأن النوعين الأخيرين شملا دولا غير مسلمة، ولكن الحرب في البلاد الإسلامية لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت حربا دينية وفكرية، تهدف إلى نسف الهوية الإسلامية ومحو معالمها، وعملوا بكل جهد على زرع الفساد والانحلال، ومسخ الشخصية المسلمة.

ولما انتهت الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفياتي أوائل التسعينيات من القرن الماضي، أحس الغرب برغبة في خلق عدو جديد، لتتوجه أنظاره إلى العالم الإسلامي على هدي فكرة "صراع الحضارات"، لتنطلق سلسة من الحملات العسكرية ضد المسلمين، نهجت استراتيجية الحرب الاستباقية. تذرعت هذه الصراعات الدموية بغطاء "الحرب ضد الإرهاب"، فاسحة المجال لبروز الخطاب الديني المسيحي من جديد من أجل الترويج لمفهوم "الحرب العادلة" و"محور الشر ومحور الخير"...

ولكن العالم الإسلامي لم يقف مكتوف الأيدي في وجه هذه الاعتداءات، بل تصدى لها بكل ما أوتي من قوة، وخاض غمار مقاومة شرسة، كان لها دور فاعل في إحياء الروح والثقافة الإسلامية وربط المسلمين بدينهم وتشبثهم به، وأعادت مفهوم الجهاد إلى الظهور كركيزة أساس في بنيان الأمة. ولقد تجرع العدو من وراء ذلك كله خسائر فادحة، أهمها اهتزاز صورة الغرب القوي والانهزام النفسي الشديد.

تصدير فكرة الصراع إلى العالم الجديد:

ومن جانب آخر تحدث الكاتب عن تصدير فكرة الصراع إلى العالم الجديد، أي الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، ليبرز ما مدى بشاعة المجازر التي ارتكبها الرجل الأبيض، وكيف أباد الشعوب الأصلية من أجل الأرض والذهب، لقد سقيت تربة الأمريكيتين بدماء السكان الأصليين والزنوج.

أما فيما يخص الصراع والمستقبل في مخيلة الإنسان الغربي، فإنه يرسم صورة دموية اللون تفوح منها رائحة المجازر والحروب الكونية الطاحنة، يتحدث البروتستانت عن حرب عظيمة ستقع في شرق الأرض يقتل فيها الملايين من أجل أن ينزل عيسى عليه السلام، يسمونها "هرمجدون"، بينما يصور لنا الفن الغربي المستقبل وهو غارق في صراع المجرات وحرب النجوم.

والخلاصة أن فكرة الصراع متجذرة في العقلية الغربية إلى درجة تهدد مستقبل العالم وأمنه واستقراره، فالحضارة التي لا تتوانى عن خوض حروب لاستنزاف الذات وتقتيل أبناء جلدتها بعضهم لبعض، لن يسلم العالم من شرها، ورغم أنه قد ذاق صنوف العذاب والمآسي من طيشها وتهورها، إلا أن ما يمكن حدوثه في العقود القادمة قد يكون أشد وأخطر، فلا بد إذن من علاج هذه النفسية المريضة بحب الصراع إلى حد "السادية"، وتطهيرها من هذا الوباء الفتاك، ولن يجد العالم هذا العلاج إلا في الإسلام، إنه الدين الذي يملك حل هذه المعضلة من الجانب النفسي والاجتماعي.