إن الله جل وعلا خلق البشر ولم يتركهم هَمَلا، بل أنزل إليهم الكتب والرسالات، وعلمهم من أسمائه ليتحلوا بمعانيها وأخلاقها، وبعث إليهم الرسل ليحتدوا بهم ويقتفوا أثرهم ويتبعوا نهجهم، وليسيروا على ما ساروا عليه.

والله تبارك وتعالى متصف بكل كمال مستحق بالغ الحمد والثناء، وشرعه تعليم للإنسان حتى يرتقي إلى سماء الأخلاق الحميدة، ورسله نموذج للكمال البشري الذي يجب علينا الجد لتمثله في أخلاقنا وحياتنا.

إننا إذا مطالبون بأن نسعى إلى تحقيق الكمال والاتصاف بأكرم الخصال، وإلا لما كان لما ذكرنا من تعليم الأسماء الحسنى، ووضع الشرائع وبعث الرسل أي معنى! لقد خلقنا لُنبتلى أينا أحسنُ عملا؛ أينا الأتقى، الأصلح، الأخشع، الأكثر صياما وقياما، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ [الملك: 1-2].

إلا أن هناك حقيقة يتعين علينا التسليم بها، وهي أن الكمال المطلق لله وحده ليس لأحد سواه، وأما الكمال البشري فليس لأحد إلا لرسل الله الذين خلصهم بمنه من النقائص، ومدهم من فضله بكمال المحامد، أما ما عداهم من البشر فليس لهم إلا ما دون ذلك من الخلال والمناقب، وبعضهم فوق بعض درجات، فبقدر ما يجد أحدنا ويجتهد يكون حظه من الكمال البشري، وهناك من الناس مَن دَنا مِن منازل الأنبياء كما هو حال كبار الصحابة رضوان الله عليهم.

إن الذي يجب علينا إنما هو البعد عن النقائص والرذائل، والسعي نحو المنازل العالية من مقامات الفضائل والكمال، والاجتهاد قدر الوسع لبلوغ المنزل، وقدرُ الوسع يعني كل الوسع، لأن المطلوب هو سلعة الله تعالى: "أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ"«سنن الترمذي، 4/ 633)، أما تمام الكمال فما لنا إليه من سبيل.

ومثل ذلك كمثل الطيران، فهناك من لا يحاول الطيران ولا يفكر فيه، فهو مكب على وجهه تغوص قدماه في المستنقعات الموحلة والبرك الآسنة، وهناك من يطير بلا جناحين؛ فما أن يحلق قليلا حتى يهوي إلى الأرض من جديد، وهناك من يأخذ بأسباب الطيران فيرفرف بجناحيه في الأعالي ويسمو فوق السحب صاعدا نحو السماء، وهؤلاء درجات، ولكنهم ورغم تفاوت درجاتهم فلا سبيل لهم إلى النفوذ من أقطار السماوات.

ولكن المهم هو أن تحلق، أن تقلع لتبتعد عن الطين والتراب، وأن تصفق بجناحيك لتدنو من النجوم اللامعة والأقمار الساطعة، ولقد قيل: كلما حلقت أكثر؛ ازداد المنظر جمالا! اسم وحلق واسع نحو الكمال لتزداد الحياة في ناظرك بهاء وجمالا، وادخل روضة الطاعات وجنة المناجاة.