قضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يجعل الناس شعوبا وقبائل، وأمما وحضارات، وحكَّم فيهم قانون "التَّداول"، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]؛ فالاجتماع البشري خاضع للتبدل والتغير، وأيام الظفر والازدهار تنتقل من أمة إلى أخرى حسب نواميس وأسباب. تعيش الشعوب بين جزْر ومد؛ تمر بها عصور من الضعف والهوان تعقبها حقب من التمكين والقوة، وتعتريها فترات من البؤس والآفات، تتلوها عقود من البذخ والغنى، وهكذا دواليك.

وحالها في ذلك أشبه ما يكون بحال الأسهم والسندات في البورصات المالية، إلا أن هذه بورصة أمم لا بورصة أسهم وأموال، وما يترتب عن تقلبات هذه البورصة لا يمكن أن يقارن بما يترتب عن تقلبات تلك.

قانون بُورصة الأمم:

في بورصة الأمم يرتبط ازدهار كل أمة وانحطاطها بمدى تداول أسهمها وارتفاع قيمتها، وتخضع هذه البورصة لثلاثة قوانين ثابتة:

  • القانون الأول: قيمة السهم تحددها كثرة التداول ودرجة الإقبال عليه، فالأسهم الكاسدة هي التي يقل تداولها ويضعف الاهتمام بها.

  • القانون الثاني: رقي الأمة وتطورها تابع لقيمة أسهمها ورواجها، فإن راجت الأسهم وازدانت باللون الأخضر وارتفعت ونمت، نمت الأمة بنموها وارتقت على سلم الحضارة والتقدم.

  • القانون الثالث: قيمة الأسهم لا ترتفع إلا بإقبال أبناء تلك الأمة والمنتسبين لها على شرائها وتداولها، وكلما كثر إقبالهم واهتمامهم بها، زادت مكانة الأمة حتى تسود وتصير صاحبة الريادة في بورصة الأمم، ولا يتداول أسهم الأمم الأجنبية إلا المنسلخون التائهون.

ما هي أسْهم الأمة؟

إن أسهم كل أمة هي رسالتها وقيمها وتراثها، فكلما التحم أبناء أمة حول رسالتهم ومبادئهم، واعتنقوها بقوة ودافعوا عنها ببسالة، كلما أخذت تلك الأمة بأسباب التطور والنجاح. فهذه دعوة لنا نحن أبناء الأمة الإسلامية من أجل التشبث بديننا وقيمنا، والنهوض بمجتمعاتنا والعروج بها إلى مصاف الأمم المتحضرة.

والأسهم الإسلامية: إيمان وإخلاص، وحب وسلام، وعلم ومعرفة، وإيخاء وكرامة، وتآزر وتضامن، وأخلاق وفضيلة... فسارعوا إلى اقتناء أسهم الفلاح والنجاح.

إن عدم الإقبال على الأسهم الإسلامية لا يعني ما قررناه في القانون الأول من أن تلك الأسهم كاسدة؛ فذلك القانون يسري على الأسهم المادية الحداثية التي تكتسب أهميتها من من المعايير المادية السطحية السائدة اليوم، أما الأسهم الإسلامية فإنها رائجة في ذاتها تستمد قوتها وأفضليتها من مصدرية الوحي، وعدمُ إقبال المسلمين على اقتناء أسهم دينهم؛ دليل على كساد فهومهم وضعف إيمانهم وبعدهم عن الإسلام.

إن ترتيبنا المتأخر في سلم بورصة الأمم دليل على أننا ابتعدنا عن ديننا وأقبلنا على أسهم حضارات وأمم أخرى، آملين من وراء ذلك تحقيق الربح والفلاح، فما ربحت تجارتنا وما كنا مهتدين، ولله در عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال: «إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نلتمس العز بغيره»، (المصنف لابن أبي شيبة 7/ 93).

لقد كان عمر رضي الله عنه أوعى وأكثر فطنة من كثير ممن يسمون اليوم برجال الفكر والأدب، ممن اتخذوا القرآن مهجورا وجعلوا الإسلام ظهريا، ويمموا وجههم قبل المشرق والمغرب يلتمسون الحضارة والعزة، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8].