إنها جنة حقيقية ونعيم واقعي في عالمنا هذا! إنها فردوس وبساتين، ورياض وحدائق، وأنهار وجداول، وشلالات وبحيرات، ومروج وغابات، وبحار وشطآن. إنها حيث تسكن النفس ويطمأن الجَنان، وتنتشي الروح ويسمو الكيان، ويستنشق الفؤاد عبق رضا الرحمان، ويرتقي الوجدان بمحاذات كائنات السماء.

أكل ذلك في عالمنا هذا على أرضنا هذه؟! نعم، هو كذلك، وسأدلك عليها لتجرب بنفسك؛ لأنها جنة أذواق وأحوال، ولا حول للكلمات بوصف الأذواق والأحوال.

أخي في الله، أقبل على ربك وادخل جنة القربات وروضة الطاعات، ولج فضاء محراب العبودية، واستقل بساط الذكر والفكر لتعرج إلى علياء اللذات الروحية والطيبات القلبية، ولتكرع من حياض الابتهال والاستغفار ما تروي به ظمأ الروح وتنعش به أعماق الكيان، ولتسبح في بحر المحبة الربانية والأنوار الإيمانية، ولتكن من الراكعين الساجدين، التائبين العابدين، والمتبتلين المتنعمين في حدائق الذكر الحكيم.

أيها الحبيب، لا تنغص حياتك الرائقة الهانئة بأكدار المعاصي وضنك الذنوب، ولا تحجب عن قلبك نور الهدى وجمال العبودية بالانسياق وراء رغائب النفس وإغراءات الشيطان، فتُطرَد من جنان الطاعة إلى صحاري العصيان.

ومثل ذلك كمن كانت له حدائق ذات أنهار، وبساتين ذات أشجار، وحقول شاسعة تؤتي أكلها أضعافا مضاعفة، ونعم عديدة تعجز عن حصرها السطور والعبارات، ولكنه يأبى إلا أن يترك الجنان والرياض، وييمم وجهه قبل الصحراء ليخوض غمارها لا زاد معه ولا ماء، ولا ظهر يركبه ولا رفيق يمنعه، فما أغباه وما أبأسه!

الإنسان المُعافى قد يبعد عن جنات مرضاة الرحمان، ويداني صحراء العصيان، أو يتوغل فيها بعض التوغل، إلا أنه سرعان ما يتذكر وتنفعه الذكرى فيقفل راجعا تائبا خاضعا، يسأل المغفرة ويرجو رحمة ربه، أما مرضى القلوب ومُدنَّسو النفوس فلا يرجعون ولا يتوبون، ولا يسارعون بالنجاة بأنفسهم قبل أن يهلكوا بين هذه الكثبان الحارقة، وكلما توغلوا في أعماق الصحراء أكثر كلما ضعفت حظوظهم في النجاة، بل وظنوا جحيمهم ذاك منتهى النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

في روضة الطاعات تسموا قلوب المؤمنين وتنقى حتى تصير بيضاء ناصعة، وفي صحراء العصيان تتلبد القلوب بالغيوم وتحفها الأدران حتى تنقلب سوداء قاتمة؛ وفي هذا المعنى حديث بديع رفيع، يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ" (مسلم: كتاب الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، رقم: 231). انظر شرح الحديث في موقع: الدرر السنية.

اللهم اجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأدخلنا بفضلك رياض طاعتك، واختم لنا بالحسنى يا أرحم الراحمين.