تعهد النفس هو: التزام مراقبتها وتهذيبها، والعمل على تزكيتها وتطهيرها من شوائب الهوى وأدران الغفلة، وجعلها دائمة الاتصال بخالقها رجاء وخشية.

فالنفس كما قال الشاعر: والنفسُ كالطفلِ إن تُهمله شَبَّ على       حُبِّ الرضــاعِ وإن تَفطِمْه يَنفَطِم

ومن هنا يتوجب على كل عاقل أن يعالج نفسه بالرياضة الروحية، وأن يزجرها عن اتباع الهوى والميل إلى الملاذ والشهوات، وأن يحملها على الطاعة والخضوع لله تعالى.

إن تعهد النفس وتقويم سلوكها ليس مهمة مؤقتة تصير النفس بعدها على مستوى من الصلاح والتزكية لا تتردى منه ولا تحيد عنه، بل إنها في حاجة دائمة إلى المراقبة والمراجعة، والتذكير والتهديد، فمتى أقمت عليها بمثل ذلك أقامت لك على الاستقامة والصلاح، ومتى تهاونت في هذه المهمة وتشاغلت عنها عادت النفس إلى طبيعتها الميالة إلى التمتع والدَّعة، والرغبة الجامحة في الظفر بالملذات.

إن شأن الإنسان مع نفسه كمن يمسك بخشبة مائلة، فإن هو غفل عنها وتركها، تحكمت فيها قوانين الطبيعة وسقطت بفعل الجاذبية. وكذلك هي النفس؛ إن داومت على تقويمها وتزكيتها ومراقبتها دامت لك على ما تحب، وإن أهملتها وانصرفت عنها مالت إلى الشيطان وسقطت في مستنقع الخطيئة والرذيلة، وكلما تأخرت عن إخراجها منه، أوْغَلَتْ فيه وتمسكت به أكثر، وإخراجها منه حينها أصعب وأعسر.

ولا يعني تعهد النفس أن تستقصي جميع عيوبها وآفاتها؛ فإن النفس كما قال الإمام بن القيم رحمه: الله كبئر نجس؛ كلما استخرجت منه أوساخا وقاذورات، ظهرت أخرى لم تكن في الحسبان.

ثم إن تقويم النفس لا بد فيه من التركيز أولا على أقبح الخصال وأخطرها، كخصال الرياء والحسد، بالإضافة إلى معالجة العيوب والمثالب على مراحل، والتغافل عن بعض عيوبها غير المهلكة، أما تقويم كل العيوب جملة واحدة فدونه خرط القتاد، ومن حاول ذلك فسيفني وقتا طويلا من عمره متنقلا بين عيوب نفسه، ثم تُلفيه في الأخير لا زال محاصرا بين تلك العيوب، هذا إذا لم يجدها قد رسخت في نفسه أكثر!

إنها مهمة شاقة وجهاد طويل، وحرب بين التزكية والتَّدْسِيَّة لا تضع أوزارها إلا بموت الإنسان، والمطلوب الأعظم في هذا الباب هو الاستمرار في جهاد النفس والبقاء على العهد، وأما العصمة والكمال والمثالية، فقد رُفعت من الأرض بموت خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.

ونسوق في هذا المعنى قصة نملة لنملة عزمت على حج بيت الله الحرام من أقصى الأرض، فقيل لها: كيف تدركين ذلك وما أنت إلا نملة؟ إنك ستموتين قطعًا قبل الوصول، فأجابتهم: إذن أموت على الطريق، وذلك شعار كل سائر إلى ربه، مجاهد لنفسه، ومقاوم لملذات الحياة ومغرياتها، حيث يدرك أنه سيبقى عبدا مخطئا مذنابا، ولكن همَّه أن يموت على الطريق.