أَنظر إلى السماء فأجدها تجسد حياتي أو حياة الناس أجمعين، أتأملها ليلا فأجدها تزدان بكوكبة من النجوم تتلألأ هنا وهناك حيثما وليت وجهي، ولكنها بعيدة تغوص في أغوار الفضاء، ولا يصل إلينا من نورها إلا شعاع خافت باهت، ثم ألمح القمر وحيدا غريبا بين هذه الأنجم الكثيرة، إلا أنه أقرب مقاما وأكثر إنارة، وبه يأنس المستوحش الكئيب.

وكذلك هي حياتنا وعلاقاتنا مع الآخرين؛ كل شخص من تقريبا له علاقات متشعبة ومعارف كثر، حتى إنك لو حاولت أن تحصي عدد من تلتقيهم وتتعهدهم بالتحية والزيارة والمكالمات الهاتفية، لصعب عليك الأمر، وخاصة في عصر المواقع الاجتماعية والعلاقات الافتراضية، إلا أن هؤلاء كالنجوم، إنهم كثر، ولكنهم بعيدون عنا قليلوا الاهتمام والعناية بنا.

وبالمقابل تجد هناك بعض الأشخاص الذين يشكلون دورا رئيسا في حياتنا، إنهم أشخاص قريبون منا بحبهم واهتمامهم ورعايتهم، تجدهم بجوارك في وقت الشدة والضراء قبل ساعات الحبور والسراء، ولكنهم قليلون، بل إنهم آحاد وفرادى في حياة بعضنا، إنهم كالقمر المنير في الليلة الظلماء الموحشة، حيث تجده أنيسا قريبا، وأما غيره من النجوم فقد ابتلعتها عتمة الفضاء.

وأحيانا، هذا القمر هو الآخر قد يغيب عن وجه السماء أو تحجبه السحب المدلهمة، فإلى أي ركن تأوي حينها؟ وبمن تستأنس في وحشتك؟ ومَن تناجي في وحدتك وخلوتك؟

إن الأنس الحقَّ والأبقى هو الأنس بالله، وذلك مقام لا يُبلغ إلا بعد تجريد القصد وترويض النفس، وما يلقاه إلا الذين صبروا، وما يلقاه إلا ذو حظ عظيم.

وأولى خطوات الأنس بالله هو الاستيحاش من الناس؛ فأنت إذا نظرت إلى حقيقة الأشياء وجوهر الإنسان وزيف الحياة الدنيا، وجدت الاستيحاش من الخلق أمرا حتميا، ورأيت خلافه ضربا من الحمق والخبل؛ "فكل شيء ما خلا اللهَ باطل"، وما هذه الحياة إلا لهو ولعب، وكل معارفك وأصدقائك بل آبائك وأبنائك يتبرؤون منك يوم القيامة، بل ودوا لو أنهم يفتدون بك من عذاب الجحيم، قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ [المعارج: 11-14].

لا أقول لك اترك مودة الناس ومعاشرتهم ومخالطتهم، كلا، ولكن لا تجعل كفة علاقتك بهم أرجح من علاقتك بخالقك، ولا يكن حبهم مقدما عندك على حبه سبحانه وطاعته؛ لكيلا تكون غدا ممن يقول نادما متحسرا: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 28].

ثم عليك بأسباب المعرفة، فأنت تأنس بمن تعرفه، أكثر مما تأنس بمن لا تعرفه، فإذا عرفت ربك أنست به، وأورثتك معرفته محبة وتعلقا به جل شأنه، ولعل في مقالنا معرفة الله بين الفكر والذكر، إشارات إلى هذا الباب العظيم من أبواب فقه الرقائق.