كل المشاكل تبدأ من التجربة الأولى؛ إدمان المدخن سببه السيجارة الأولى، ومدمن الكحول سببه الكأس الأول، والمبتلى بالسرقة سببه الدرهم الأول، وهكذا دواليك. بينك وبين الإدمان على الشيء والوقوع في أسره تجربتك الأولى له؛ كيفما كان ذلك الأمر: خارما للمروءة، حراما، كبيرة... فإنك بمجرد أن تفعله مرة سيهون في نظرك ويصبح اقترافه أمرا عاديا أو شبه عادي بالنسبة لك.

بيننا وبين كل أمر غير مقبول دينيا أو اجتماعيا أو فطريا، ما يشبه حاجزا وجُنَّة، وطبيعة هذه الجُنَّة أنها حامية واقية منيعة من الجهة التي تقابل الأخطار، ولكنها في الآن نفسه سهلة الاختراق من جهتك، وإذا ما اخترقتها مرة انخرمت وأصبحتَ في مواجهة مباشرة مع الشرور والأخطار من غير درع تتَمَتْرَسُ به، وهكذا تلقي بنفسك في المهالك وتعرضها للشرور.

يقال: الوقاية خير من العلاج، فالحذر وتجنب الآفات وأسباب الشر قبل وقوعها أضمن لسلامتك، وهنا أُورِدُ حديثا عجيبا بليغا يصور فيه الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، حال الإنسان في هذه الحياة وما يتهدده من مهالك وآفات على الطريق، فعن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ" (مسند الإمام أحمد: 17634).

إنه حديث عجيب، ومن أعجب ما فيه "ويحك لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه"، وما الذي يضمن لك إن ولجته خرجت منه ولم تته داخله، ومن هنا كان علاج الداء بعد نزوله وإصلاح الجنة بعد انخرامها وفسادها أمر صعب المنال، ويزداد صعوبة ووعورة كلما تأخرت في إنجازه، ولكنه ليس مستحيلا؛ فإن كنت قد بُليت بإفساد الجُنَّة فما عليك إلا الحزم والعزم وصدق التوجه في التوبة والإقلاع، وسيمدك السميع العليم سبحانه بتوفيقه.

ونحن هنا لا نقول بأن على الواحد منا أن يكون معصوما من كل ذنب مبرءا من كل عيب طاهرا من المعاصي والآثام، فذلك شيء مستحيل في حقنا نحن البشر، ولتوضيح الأمر أكثر يمكنك مطالعة مقالنا: فوق الدناءة ودون الكمال.