انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرةُ الانتحار العبثي بحجَجٍ واهِنَةٍ لا يَقْنَعُ بها العقلُ السّليم، وقلَّ سَعْىُ الحُكماء لتنوير عقول النَّاس وتبصيرِهِم ، وخفَتَ وَقْعُ ميزان العَدل على مسامِع النَّاس، وتهاوَن عُلَماءُ الشَّريعة في تبصير عامَّة الناس بصحيح دينِهِم الذي يَحُثُّ النَّاس علَى الإعمار والبِناء وتَهْذيبِ النَّفْس وتقويمِ سلوكِها، فتحوَّل الدّينُ في عقُول الجُهلاءِ مِن جِدارٍ حَصينٍ إلَى صَحنِ طعامٍ يغترفُون مِنْهُ ما يُوافِقُ هواهُم ، ويتركون مِنْهُ ما يُخالِفُه ، بلا أدنَى شعورٍ بالذَّنب أو المسئوليَّة ، وتحوَّل الانتحارُ إلى ملاذٍ لكُلّ مَن ألَمَّت بِه مُصيبةٌ بدلًا من أن يكون جريمةً إنسانيَّةً وأخلاقيَّةً ودينيَّة ، وبدَلًا من أن يكون الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ إلَى الله في ساعات اللّيل هو الملاذ الآمن، وتحوَّلَ الإيمانُ إلَى بعض كلماتٍ يُرَدّدُها اللّسانُ بلا إلمامٍ بالمعنَى اللّفظي أو الحِسّي ، فماتَت القُلوبُ عن وظيفَتها الأسْمَى ومعها بهتَ جوهَرُ الإيمان فيها ، فماذا نقولُ في مِثل هذا؟ . .

https://www.facebook.com/MakanyTreatment/posts/pfbid05q1uwJS62Tnds3rJgDsRDxZDmnLkHNYdHsSdzpKmNTDz9T9uD6d3qxaqDJ2ekfwhl

لا حول ولا قُوَّةَ إلّا بالله العَلِىّ العظيم
يقولُ اللهُ تعالَى في كتابِه :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما)
إنَّ التَّعاطُف مع مثل هذه الحالات التي صارَت شائعةً للأسَف بين ضُُعفاء النَّاس هُو عَوْنٌ لهؤلاء في فعلِهِم الآثم ، وزيادةٌ للطُّغيان في الأرض ، فما الذي سيردعُ الظالم طالَما أنَّ كُل مَن يتَعَرَّضُ لظُلمِه لا يملكُ إلَّا أن ينتحِر، إنَّ جريمةَ قَتْلِ النَّفْس قَد حَرَّمَها اللهُ علَى عبادِه المُؤمنين
ووالله إنَّ قتل العدُوّ الظَّالِم واسْتخراج أحشائه مِن جَسَدِه لأهونُ علَى قلب المُؤمن الصَّادق في أحْلَك الظّروفِ آلاف المرَّات مِن قتل نَفْسِه، حتَّى وإن كان عقابُهُ علَى ذلك في الدُّنيا هو الإعدامُ في ميدانٍ عامٍ ؛ لعدم ثبوت أدلَّة البراءة، وحَسْبُ المُؤمن في ذلك اضطرارُه لدَفْع الظُّلْم والعُدوان عَن نَفْسِه وعَن ذَويه، واطّلاعُ رَبّه علَى صِدْق نواياه ، وحَسْبُ القاضي علَيْه بالإعدام تطبيقُ عدالَةِ الله في أرضه في حالة عدم ثبوت أى أدِلَّةٍ للبراءة أو تخْفيف الحُكم ؛ وذلك لرَدْع كُلّ أحمقٍ قد تُسَوّلُ لَهُ نَفْسُه قتلَ امرىءٍ بريءٍ بغير وجه حق
قال اللهُ تعالَى في كتابِه :
(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِين)
فاللهُ أمرَنا بأن نُقاتِل مَنْ يُقاتِلُنا ومُعاداةِ مَنْ يُعادينا حتَّى يرْتَدِعُوا عَن ظُلْمِهِم ، فإن انْتَهَوْا فلا عُدوان إلا علَى الظّالمين
فاللهُ لا يَرْضَى لعبادِه الضَّعفَ والهَوان في الحق المَشْرُوع لهُم ؛ لضمان كرامَتِهم التي وَهَبَهُم إيَّاها وليس لأى أحمَقٍ مُتكَبّرٍ في الأرض أن يَسْلبها
يقولُ اللهُ تعالَى في كتابِه :
(ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) ولَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)
لَم يَقُل اللهُ تعالَى في كتابِه بأنَّهُ يُدافِع عن الذين يقتلون أنفُسَهُم ، فقَتْلُ النَّفس ما هُو إلَّا ضَعْفٌ وانهزامٌ واستسلامٌ وهروبٌ مِن مُعتَرَك الحياة التي أوجدَنا اللهُ فيها ليختبرنا
يقُولُ اللهُ تعالَى في كتابِه :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)
إنَّما يُدافِع الله عن المؤمنين المُثابرين المُجاهِدين أنفُسهم قبلَ مُجاهدةِ الدُّنيا
يقُولُ اللهُ تعالَى :
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)
فلَم يصِف اللهُ المُؤمنين بأنَّهُم يَقْتُلون أنْفُسَهُم ، وإنَّما حاشا، فقال : (فيَقْتُلون ويُقتلون)
ويقُولُ اللهُ تعالَى في كتابِه :
(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)
إنَّ اعتراف الإنسان بخطئهِ قُوَّة ، وصِدقَهُ مع نَفْسِه شجاعة ، ولُجوءَهُ إلَى رَبّه وقتَ الضّيق ملاذٌ ومَأمَن، وأنَّ اعتقادَ الانسان بأنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا وأنَّ مع الصَّبْر فرَجًا وأنَّ مع الاجتهاد نَصْرًا هُو مِنْ جَوْهَرُ الإيمان وصِدْق القَلْب في البيان
يقُولُ اللهُ تعالَى في كتابِه : (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظ)
وإنَّ كلَّ مُسْلِمٍ يحفظُ هذه الآيةَ جيّدًا في صَدْرِه ويعِيَها بعَقْلِه ، يَتَمَنَّى أنْ يَلْقَى الله ولَو زاحِفًا مُقَطَّع الأطْراف وهو يُجاهِدُ أعداءَهُ؛ دفاعًا عَن نَفْسِهِ وذَويه في سَبيل الله . .
وسأذكُر هُنا حديثًا للرّسول الكريم -صلّى اللهُ علَيْه وسلَّم- :
في الحديث الصَّحيح عن أبي هُريرَة -رضِىَ اللهُ عنهُ- أنَّ رسولَ الله -صلّى اللهُ علَيْه وسلَّم- قال : مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا، ومَن شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهو يَتَحَسَّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا، ومَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهو يَتَرَدَّى في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا.
وأختم بنصيحةٍ لوجه الله :
إذا وقعت علَى مسامِعِكُم مِثْل هذه الأخبار السّيّئة ، فاكتفوا بذِكْر : لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله العَلِىّ العظيم ، فلا تَزيغُوا عن الصّواب فتَقَعُوا في شُبْهَة الحَثّ علَى الإثم ، ولا تُعاتِبُوا ، فتَقَعُوا في شُبْهَة التَّعَدّي علَى الله في الحُكْم ، إن الله بصيرٌ بالعباد
يقُولُ اللهُ تعالَى في كتابِه :
(ومَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)
ويقُولُ اللهُ تعالَى في كتابِه :
(ولِلَّهِ ما فِي السَّماوَاتِ وما فِي الْأَرْضِ ۚ وإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)
ويقُولُ اللهُ تعالَى في كتابِه :
(وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور)