لَمحتُه وقتَ الفجرِ في الضَّبابِ فلم أتبين مَلامحه، أتىٰ إليّ تأملت فيه فعرفتُ أنَّه حزين، وفي نَظرته عَتب..

سألتُه: لما؟

أجابني بعتب: ما لك لا تَرضىٰ؟

دُهشتُ وكلمته بغضب: أنا لا أرضىٰ!

كِدتُ أُعدد له مَحاسني: أنِّي قنوع، وفي أَشد الرّضا عن أقدار اللّٰه، وكِدت أَسرد له مواقفي التي رَضيت فيها.. لكنّي صَمت.

لمّا رأىٰ أماراتِ الٱستنكار علىٰ وجهي قال: يا صغيري إنّ الاعتراف نِصف الحل، ومعرفة الداء نصف الدواء، وإنٰ خَضعتْ نفسك تبصرت..

تمتمتُ بصوتٍ خفيض: أحقاً أنا غير راضٍ؟!

سَمِع هَمساتي: وما تظن وأنت يعتريك الضيق، والغضب، وتتلفظ بكلمات ساخطة في سرك، وأصبحت تُقلل في طاعتك..؟

لا بأس في الحُزن فهذا فِطري، وتُجازىٰ عليه إن صبرت باذن اللّٰه، لكن لا تَسخط على أقداره، أَنسيت أنه حَكيم في كل أقداره،وأنَّ له غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله..

كيف تظن أنَّه لم يَختار لك الأصلح؟ بل كيف تظن أن تَدْبيرك كان أَصلح..؟!

يا ولدي خُذ بالأسباب التي خَلقها تأدباً مع الكريم لا تَعلقًا بها.. وٱترك قَلبك حراً.. لا يَختار فوق ٱختيار اللّٰه، ولا يَرضىٰ إلا بما قَسمه اللّٰه له؛ لأنّك تعلم ضَعفك، وعَجزك.

عِلمك لا شئ إلىٰ علمه، وقُدرتك عَجزٌ إلىٰ قُدرته، وكل شئ فيك هو خَالقها، وليس لك إلا لَحظتك التي تَعيشها، وليس بِيدك إلا أن تَأخُذ بأسبابه، ومَن ثَم تَتَوكل عليه، فتَسير مُطمئِنًا في الطرق التي يَسّرها لك تعبده فيها، رَاضٍ بها.

طَاطأتُ رأسي خَجلاً: فليغفر لي اللّٰه، ما هدَّني إلا طُول الٱنتظار وقلة الصبر، فأسأتُ الظن، لكنِّي ٱعتدل قَلبي لما تذكرت أنَّه الحكيم في كل أفعاله العليم بما كان وبما سيكون، الكريم في عطاياه وجبره، المُقدر لِكُلِّ شيءٍ وَقته الأنسب له..