رِسَالةٌ من صديقة : كَتبتْ إليَّ تنصحني، وتَنصحَ كُل من يَقرأ، يا صديقة؛ ثمة أمور يجب أن يكون المرء فيها في علو، وألا يتوقف علىٰ حد؛ لأنّه إنْ توقف تدرج لأسفل، لا يكون منَّا أن نثبت علىٰ مكان ونحسب أن هذا مستقر؛ لأن هذا المُستقر سيأخذُنا ونَهبط.. 

ومن أبرز هذه الأمور حِجابك.. وهذا جلي واضح، وكل من قرأ يعلم هذا، لو أن نفسك لم تحدثك كل فترة كيف أرتقي بحجابي، وجدتيها تنزل مع من ينزل، وتنتكس مع من ينتكس_أعاذك اللّٰه_.

وكثيراً ما أقرأ، وأسمع عن من تتخلى عن حجابها أو عن نقابها، وأحزن، ويؤثر في نفسي الأمر لكني أتجاهل، إذ ليس يُصدق المرء كل ما يَسمع.. 

لكنّي تفاجأت بأناسٍ حولي كثير ممن لا أعرفهم يحدث مهم هذا التدرج الغريب، فكنت أحزن قليلاً وأتعجب، وأدير وجهي إذ كل امرئ معه عذره واللّٰه الهادي إلىٰ سبيله، ولعله يغفر لهم. 

لكنّي أستيقظ الآن علىٰ من هم حولي وقريبين مني، أرىٰ منهم هذا التنازل العجيب؛ لكني فكرت كما أفكر مع الغرباء، أن كل أحد معه عذره؛ لكني هذه المرة.. أعرف العذر والسبب وأشاهده وأنا أتألم.. وتحدثني نفسي مرة بالرحيل، ومرة بالصمت، ومرة بالغضب والٱنتقام.. ومرة ومرة.. حتىٰ تحيرت في أمري، فلست ممن يُتقن فن الدعوة أو ليس له من حلو الكلام ما يتقبله المرء، ولستُ مِمّن إذا تطاول عليه أحد سكت، أو قَبِل منه النصيحة أحدٌ فيَسلمْ قلبُه بل يرىٰ لنفسه فضلاً..ولأجل ذلك لا أصاحب إلا قلة؛ لكني ابتلاني اللّٰه في بعض منهم حتىٰ يقف المرء أمام ضعفه، ويقويه.. ليؤدي واجب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. 

إنِّي وإن لم أُوتىٰ مَنطقًِا حُلواً، ولِسَانا مُقنعاً_ رغم أن هذه الأمور تُعلم_لكنّ اللّٰه مَنَّ عليّ بقلمٍ يستطيع الإبانة عما في قلب مالكه، ويستطيع الهجاء والثورة والغضب كأنَّه ناطق.. 

لذلك كتبت إليك هذه الكلمات عما يعتصر في قلبي، و تحدثني به نفسي فٱثبتي والسلام..

ملحوظة: هذه الأسباب التي أعرفها عنهم كلنا يعرفها، من تتبع الهوى، أو صحبة السوء أو غيره من مداخل الشيطان.. "

«بتاريخ التاسع من صفر لعام ١٤٤٤هـ» 

أغلقتُ رسالتها وأنا أتألم في صمت، أفكر في كلامها، وأفكر في الأسباب، لما أودى بنا الحال إلىٰ هذا..؟ 

أحضرتُ ورقة جديدة وكتبتُ فيها أعقِّب علىٰ كلامها: "وصلني كلامَك مع ألمك، لكنَّا لَسنا مِن أَهلِ اليَأسِ لِنَيأس.. 

مشكلة عجيبة مشكلة الثبات علىٰ حد في الحجاب والاقتناع به، بل وعدم الاقتناع بغيره، فكثير ممن أعرف عنهم الاستقامة، لا يريدون العلو في الحجاب إلىٰ النقاب لعدم اقتناعٍ به أو يظنون ليس به فائدة.. وهذا مدخل جليٌ من مداخل الشيطان لتجد صاحبة هذا الفكر تهبط بعد فترة إلىٰ التبرج، أو قد تجد مدخلاً خفياً وهو الاطمئنان علىٰ ما هي عليه مكتفيةً لا تريد المزيد.. وهذه يَأخُذُها الشيطان هُوينة هوينة لتنزل درجة درجة إلا من رحم. 

ويا حبذا للفتاة المسلمة أن تقف وهي ترتدي حجابها كل يوم، تزيد فيه عفة شيئاً فشيئاً، تُذكر نفسها ليس إبداء الزينة والبهرجة في الخارج، وإنما أرتدي ما يكفي الغرض لأؤدي حاجتي وأعود، واضعة أمام عينها:يوماً ما سأرتدي لباس أمهات المؤمنات.. 

ومهما وصلت الفتاة يجب أن ترتقي أكثر بخطواتها الصغيرة، وكما يقولون فإن خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة.. وكذلك طريق الجنة يبدأ بِتَوبةٍ صَادقَة..

والسلام. "

«بتاريخ العاشر من صفر»