المطلب الثالث: القوامة في كتب التفاسير.

لم يتفق العلماء المفسرون على اتجاه واحد في تفسير آية القوامة، فنجد بعض المفسرين ينحوا باتجاه اعتبار القوامة أنها تفضيل للرجل على المرأة، وأنها تابعة له وهي تحت سلطته ووصايته، ومن المفسرين من يرى أن القوامة إنما هي تكليف ومسؤولية جسيمة على عاتق الرجال لا باعتبار الأفضلية لكن باعتبار سياق الزمان والمكان الذي جاءت فيه هذه الآية، وأن التكليف والجزاء عليه إنما يكون عظيما بعظم المسؤولية وبمقتضى ذلك التكليف.

فنجد من بين منظري الاتجاه الأول المفسر جار الله الزمخشري في تفسيره لقوله سبحانه وتعالى: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يقومون عليهن آمرين ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا.[1]

وذُكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنَّ رجلًا لطمَ وجه زوجته، فشكت هذه الزوجةَ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاه النبيِّ ليقتصَّ منه، فنزلت هذه الآيةِ الكريمة، وقد رُوي سبب نزول هذه الآية عن الحسن البصري بإسنادٍ ضعيف، حيث قال: "أنَّ رجلًا لطم وجهَ امرأتِه فأتت النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فشكت إليهِ فقال: القصاصُ فنزلت الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ فتركَه".

كما نجد الإمام الرازي يتخذ موقفا مماثلا؛ إذ اعتبر أن للرجال فضل على النساء من أوجه عدة فقال في معرض كلامه عن هذه الآية: واعلم أن فضل الرجل عَلَى النِّسَاءِ حَاصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، بَعْضُهَا صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَبَعْضُهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، أَمَّا الصِّفَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْفَضَائِلَ الْحَقِيقِيَّةَ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى أَمْرَيْنِ: إِلَى الْعِلْمِ، وَإِلَى الْقُدْرَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عُقُولَ الرِّجَالِ وَعُلُومَهُمْ أَكْثَرُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قُدْرَتَهُمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ أَكْمَلُ، فَلِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ حَصَلَتِ الْفَضِيلَةُ لِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْعَقْلِ وَالْحَزْمِ وَالْقُوَّةِ، وَالْكِتَابَةِ فِي الْغَالِبِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالرَّمْيِ، وَإِنَّ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْعُلَمَاءَ، وَفِيهِمُ الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وَالْجِهَادُ وَالْأَذَانُ وَالْخُطْبَةُ وَالِاعْتِكَافُ وَالشَّهَادَةُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْأَنْكِحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَزِيَادَةُ النَّصِيبِ فِي الْمِيرَاثِ وَالتَّعْصِيبُ فِي الْمِيرَاثِ، وَفِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ وَالْخَطَأِ، وَفِي الْقَسَامَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَعَدَدِ الْأَزْوَاجِ، وَإِلَيْهِمْ الِانْتِسَابُ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ.[2]

وقال الواحدي في سبب نزول هذه الآية؛ أنها نزلت "في سعد بن ال ربيع، وكان من النُقَبَاء، وامرأته حَبيبَة بنت زَيد بن أبي زهير وهما من الأنصار، وذلك أنها نَشَزَتْ عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أَفْرَشْتُهُ كريمتي فلطمها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لتقتص من زوجها. وانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعوا، هذا جبريل عليه السلام أتاني. وأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذي أراد الله خير"؛ ورفع القصاص.[3]

وجاء في تفسير ابن كثير، والذي جاء في تفسيره لقوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) أي: الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم.[4]

وجاء في تفسير الطبري سنة (310هـ/ 923م): القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم; ﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن، وإنفاقهم عليهن أموالهم، وكفايتهم إياهن مؤنهن. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن، ولذلك صاروا قواما عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن.[5]

وبالمقابل نجد بعض المفسرين يتناولون تفسير هذه الآية باعتبارها تشريفا للمرأة وتكليفا للرجل نظرًا للمسؤولية العظيمة التي كُلف بها، ومن بين المفسرين الذين يعارضون هذا المنحى نجد الشيخ محمد متولي الشعراوي حيث يقول في تفسيره لقول الحق جل وعلا: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فقال: هي درجة الولاية والقوامة. ودرجة الولاية تعطينا مفهوما أعم وأشمل، فكل اجتماع لابد له من قَيِّم، والقوامة مسئولية وليست تسلطاً، والذي يأخذ القوامة فرصة للتسلط والتحكم فهو يخرج بها عن غرضها؛ فالأصل في القوامة أنها مسئولية لتنظيم الحركة في الحياة...والدرجة التي من أجلها رُفع الرجل هي أنه قوام أعلى في الحركة الدنيوية، وهذه القوامة تقتضي أن ينفق الرجل على المرأة تطبيقاً لقوله الحق: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: 34] فالإنفاق واجب الرجل ومسئوليته، وليعلم أن الله عزيز لا يحب أن يستذل رجل امرأة هي مخلوق لله، والله حكيم قادر على أن يقتص للمرأة لو فهم الرجل أن درجته فوق المرأة هي للاستبداد، أو فهمت المرأة أن وجودها مع الرجل هي منة منها عليه، فلا استذلال في الزواج؛ لأن الزواج أساسه المودة والمعرفة.[6]

وكذلك يقول كذلك الشيخ الشنقيطي: وهذه القوامة تقتضي الإشراف والنفقة، والقيام بالحقوق والحضانة، والدفاع عنها وإرشادها لما فيه مصلحتها، وهي تشريف شرف الله به الرجال في مقابل تشريف آخر شرف به النساء، وذلك أن الله عز وجل هو الحكم العدل، فجعل في الدنيا أمرين: الماديات والمعنويات، فشرف الرجال بأهم ما فيها من المعنويات وشرف النساء بأهم ما فيها من الماديات، فالنساء شرفهن الله بالذهب والحرير وحرم ذلك على الرجال، والرجال شرفهم الله تعالى بالقوامة، وحرم ذلك على النساء في الأمور العامة مثل الإمارة وإمامة الصلاة، وقوامة البيت، وغير ذلك.[7]

يستخلص مما سبق أن قراءة السياقات التي جاءت فيها الآية الكريمة وغيرها من الآيات موصل الى حقيقة وحدة الأصل والمنشأ، وانتشار المفهوم باعتباره احاديا في سورة النساء يراد منه توجيه الأفكار الى اتجاه واحد، وهو الذي يضع المرأة في مرتبة متدنية عن مرتبة الرجل، إذ لابد لدراسة المفاهيم أن نستقرئها في السياق القرآني مجملة دون تجزيئ، كذا اعتبار أسباب النزول، وغيرها من آليات فهم الخطاب الشرعي ووضعة في سياقه الطبيعي.

فما هي الإشكالات التي يطرحها هذا الفهم، وكيف نعالجها انطلاقا من ربطها بالآيات الناظمة لمفهوم القوامة في إطارها الكلي والشامل؟

(المطلب الرابع في المقال المقبل باذن الله تحت عنوان:إشكالات القوامة في العصر الحديث. )



[1] - الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد جار الله (ت 538هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي - بيروت

الطبعة: الثالثة - 1407 هـ، جزء 1، ص505

[2] - الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط/3، 1425 هـ، جزء10، ص 70.

[3] - الواحدي علي أبو الحسن، أسباب نزول القرآن، تح: عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح الدمام، ط /2، 1412 هـ-1992 م، ج 1 ص 151

[4] - ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن عمر (المتوفى: 774هـ)، تفسير القرآن العظيم، تح: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط/2، 1420هـ - 1999 م جزء 2ص 256

[5] - الطبري أبو جعفر، تفسير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة، دار هجر، الجيزة، مصر، ط 1، 1422هـ-2001 م، ج 6 ص 587.

[6] - الشعراوي محمد متولي (ت 1418هـ)، مطابع أخبار اليوم، 1998 م، ص 988.

[7] - الشنقيطي محمد الحسن الددو، كتاب دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي، المكتبة الشاملة جزء 12، ص 4.

[9] - السعدي عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله (ت 1376هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تح: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط/1، 1420هـ -2000 م، ص 802.

[10] - الطبري أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310 هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار التربية والتراث، مكة المكرمة، جزء 8، ص 260.

[11] - رضا رشيد، كتاب تفسير المنار، المكتبة الشاملة، ص56