بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الملك الحق المبين ثم الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين النور المهداة للعالمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين.

مقدمة:

تعتبر الأسرة من المرتكزات الأساسية في المجتمعات البشرية، ولها خصائص عديدة تستقل بها عن غيرها من أمور الحياة البشرية، ومن بين المفاهيم التي تدور في فلك الاسرة نجد مفهوم القوامة الذي اسال الكثير من المداد، باعتبارها خاصية من خصائص الاسرة المسلمة، فمع تنامي ثقافة الدعوة الى المساواة بين الرجل والمرأة وحقوق المرأة وتزايد التشريعات الدولية الداعية إلى مزيد من التمكين لصالح المرأة، فقد شكلت مسألة القوامة أحد الإشكاليات الكبرى التي أثير حولها الكثير من النقاش الفكري والفقهي قديما وحديثا وذلك بسب اختلاف التفسيرات والتأويلات حول مسألة القوامة، وكثيرا ما نعتت الشريعة الاسلامية بأوصاف قادحة جراء التداول الغير السليم لهذا المفهوم من لدن المجتمعات الإسلامية نفسها، أو من طرف المجتمعات الغربية عن قصد أو عن غير قصد، فما مفهوم القوامة في النصوص التشريعية الإسلامية؟ وكيف تناول الفقهاء والمفسرون هذه النصوص؟ وهل هناك تعارض بين مفهوم القوامة ومستجدات الحياة الأسرية؟

هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها في هذا البحث من خلال المحاور التالية:

المطلب الأول: تعريف القوامة:

المطلب الثاني: الآيات الواردة في مفهوم القوامة

المطلب الثالث: آية القوامة في كتب التفاسير

المطلب الرابع: إشكالات القوامة في العصر الحديث.

الخاتمة

المطلب الأول: تعريف القوامة.

القوامة لغة: من قام على الشيء يقوم قياما: أي حافظ عليه وراعى مصالحه، ومن ذلك القيم وهو الذي يقوم على شأن شيء ويليه، ويصلحه، والقيم هو السيد، وسائس الأمر، وقيم القوم: هو الذي يق ومهم ويسوس أمورهم، وقيم المرأة هو زوجها أو وليها لأنه يقوم بأمرها وما تحتا... والقوام على وزن فعال للمبالغة من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد...وقَيِّمُ المرأَةِ: زَوْجُهَا لأَنه يَقُوم بأَمرها وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَقَامَ بأَمر كَذَا. وَقَامَ الرجلُ عَلَى المرأَة: مانَها. وَإِنَّهُ لَقَوّام عَلَيْهَا: مائنٌ لَهَا. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساء.[1]

وقَيِّمُ المَرْأَةِ: زَوْجُها فِي بعْضِ اللُّغَاتِ؛ لِأَنَّهُ {يَقُومُ بِأَمْرِهَا ومَا تَحتَاجُ إِلَيْهِ، قَالَ الفَرَّاءُ: أَصْلُ} قَيِّمٍ {قَوْيِمٌ عَلَى فَعْيِل، إذْ لَيْسَ فِي أبْنِيَةِ العَرَبِ فَيْعِل. وقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَزْنُه فَيْعِلٌ وأصْلُه قَيْوِمٌ.[2]

القوامة: بكسر القاف وفتح الواو والميم، القيام على الأمر أو المال ورعاية المصالح. الولاية (ر: قيم) وهي على نوعين:

1) قوامة على النفس: وهي رعاية ذات القاصر كتعليمه وتهذيبه وإطعامه ونحو ذلك وهذه تكون للولي ولغيره كالحضانة.

2) قوامة على المال: وهي رعاية مال القاصر كالاتجار بماله، وأداء ما عليه من حقوق مالية ونحو ذلك، وهذه لا تكون إلا للولي والحارس القضائي.[3]

القوامة في اصطلاح الفقهاء:

- القوامة هي قيام الرجل على المرأة بالإنفاق عليها، وحمايتها وتقويم ما قد يطرأ عليها من اعوجاج على سلوكها بالطريق الشرعي.[4]

بعد التأمل في نصوص الفقهاء – رحمهم الله تعالى – واستخدامهم للفظة "القوامة" نجد أنهم يستخدمون لفظ القوامة ويريدون به أحد المعاني الآتية:

الأول: القيم على القاصر، وهي ولاية يعهد بها القاضي إلى شخص رشيد ليقوم بما يصلح أمر القاصر في أموره المالية.

الثاني: القيم على الوقف، وهي ولاية يفوض بموجبها صاحبها بحفظ المال الموقوف، والعمل على بقائه صالحاً نامياً بحسب شروط الواقف.

الثالث: القيم على الزوجة، وهي ولاية يفوض بموجبها الزوج تدبير شؤون زوجته والقيام بما يصلحها.[5]

فبملاحظة التعاريف الفقهية الواردة عن الفقهاء فإنّهم يقصدون بالقوامة أحد ثلاثة معانٍ وهي:

1- إمّا القيم على القاصر.

2- وإمّا القيم على الوقف.

3- وإمّا القيم على الزوجة: وهو المقصود بيانه في هذا البحث ، فالقوامة الزوجية؛ هي ولايةٌ يُفوَّضُ بها الزوج للقيام على مصالح زوجته بالتدبير والصيانة، والواضح من معنى القوامة أنّها تكليفٌ على الزوج، كما أنّها تشريفٌ للمرأة، فقد أوجب الله سبحانه على الزوج بمقتضى القِوامة، رعاية زوجته التي ارتبط بها بعقد زواجٍ شرعيٍ، واستحل الزوج الاستمتاع بزوجته بذلك الميثاق الغليظ كما وصفه الله جل جلاله في القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُۥ وَقَدَ اَفْض۪ىٰ بعضهمۥٓ إِلَىٰ بَعْضٖ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاٗۖ﴾ [النساء-21] وبذلك تكون المرأة مكرمةً بوضعها تحت قيّمٍ يقوم بأمورها، وينظر في مصالحها، ويذبّ عنها، ويبذل كلّ ما من شأنه أن يسعدها، ويحقق طمأنينتها، ويظهر من ذلك أنّ القوامة ليست تسلطاً على المرأة، ولا قهراً لشخصيتها كما يحاول أعداء الإسلام تصويرها.

المطلب الثاني: الآيات الواردة في مفهوم القوامة.

لفهم المقصود في آية القوامة الواردة في للسياق القرآني، يجب العودة الى كل النصوص المؤطرة لهذا المفهوم في القرأن والسنة، كما في أي أيدولوجية أو ثقافة يتحتم على الناظر لفهم المسائل الإشكالية فيها، الرجوع الى النصوص والعادات وغيرها من آليات تفكيك الخطاب.

ونجد أن القرآن الكريم تناول مفهوم القوامة في ثلاث مجلات؛ وهي الانفاق، والعلاقة مع المرأة، ثم الشهادة.

فلقد ذكر الله سبحانه القوامة في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم حيث قال في سورة النساء:

﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فالصَّـٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء-34]

وفي سياق آخر ذكر الله سبحانه وتعالى القوامة في سياق الشهادة على النفس وعلى الغير وعدم الجور فقال جل جلاله:

﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمُۥٓ أَوِ اِ۬لْوَٰلِدَيْنِ وَالَاقْرَبِينَۖ إِنْ يَّكُنْ غَنِيّاً اَوْ فَقِيراٗ فَاللَّهُ أَوْل۪ىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ اُ۬لْهَو۪ىٰٓ أَن تَعْدِلُواْۖ وَإِن تَلْوُۥٓاْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اَ۬للَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراٗۖ﴾ [النساء-134].

كما جاء ذكر القوامة في القرأن الكريم أيضا في سورة المائدة في نفس سياق الآية السابقة ﴿يٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُواْۖ اُ۪عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْو۪ىٰۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَۖ﴾ [المائدة -9].

ومعلوم أن كل آية من الآيات السالفة الذكر وغيرها من الآيات التي تدور في حقلها المفاهيمي لها سياقها الخاص بها، فعندما جعل الله عزوجل القوامة بيد الرجل لم يجعلها لكي يستغلها الرجال في القيام بإذلال النساء، والتحكم بهن، وفق ما تشتهيه أنفسهم، أو أهوائهم بل قيدها بضوابط وقيود وجعل لها مقاصد عليا تتمثل في حفظ حدود الله جلّ وعلا، الإنفاق عليهن، تحقيق مقصد التكافل وحفظ الكرامة، وإعطائهن كامل الحقوق من مهور وغيرها من الحقوق الناتجة عن هذه العلاقة المقدسة.

يأتي في المقال التالي ( المطلب الثالث: القوامة في كتب التفاسير.)



[1] - ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، دار الفكر، ص 502 - 503.

[2] - الزَّبيدي مرتضى، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، (ت 1205هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، تح: مجموعة من المحققين، دار الهداية، جزء 33، ص319،

[3]- قلعه جي محمد رواس، معجم لغة الفقهاء، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط/1، 1416هـ - 1996، باب حرف القاف ص339-340.

[4] - الصغير عبد الله حسن صلاح، الجوانب الفقهية للقوامة الزوجية، دراسة مقارنة، ط دار الجامعة الجديدة للنشر – 2004م، ص

[5] - الفتاوى الهندية 6/214، و2/409، والجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتب العلمية 5/169، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني، مؤسسة التراث العربي 4/16.