يقول: ما ندمت على شيء ندمي على خصومة كنت أستطيع تفاديها أو تفادي إطالتها أو تفادي المبالغة فيها، ليس إكراما للخصم الذي ربما كان أهلا لخصم من صنفه يقابله الطغيان بالطغيان ويزيد، ولا جبنا عن مواجهة الباطل بالحق، ولا لأجل من أخسرهم أثناء الخصومة؛ لأني ربما كان يجب أن أخسرهم من قبلها، ولكن لما تأكله الخصومة من سلامة قلبي وهدوء نفسي، ولوقوعي بين خوفين: خوف طغيان الخصم، وخوف طغيان نفسي، ويضعفني الثاني عن تفادي الأول، ولكنه لا يدري أني أحسب له ولنفسي ليكون هو الأطغى، وأستبقي لنفسي حقا عنده يوم القيامة لا أستنفده في الدنيا، ربما أبالغ في خوفي الذي يلجم حقدي، وربما الغلظة مطلوبة لمن أراد استنقاذ حقه من فك خصمه كاملا، ولكن لا ينفك يشغلني سؤال: أراض الله أم ساخط، أمعي هو أم مع خصمي؟، فإذا رأيت خصمي يكذب اطمأن قلبي قليلا، فإذا فجر اطمأن قلبي أكثر.. فإذا نمَّ وبهتَ وحلف باطلا حمدتُ الله كأنه وقع هو بكامله بين فكي، ثم رضيت بما أخذته من حقي وانتظرت البقية في يوم يراه بعيدا وأراه ليس ببعيد.
وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء، فلو صفت نفسي ربما ما حقدت لأجل ظلم دنيوي، لكن هيهات تصفو نفسٌ امتلأت بحب الدنيا.

وبمناسبة ذكر يوم القيامة فإن الظن الساذج له أنه يومٌ توزن فيه الأعمال فيدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار، هكذا سريعا، لكنه يوم طوله خمسون ألف سنة، يعني هو يوم ربما أطول من حياة البشرية نفسها على الأرض، أي هو حياة طويلة جدا بعد البعث وقبل الخلود، فلماذا هذا اليوم بهذا الطول الذي زاد على طول اليوم عند الله -وهو ألف سنة مما نعد- بخمسين مِثْل؟

أقول: إن هذا اليوم هو يوم العدل الذي اشتاق له المقهورون في الدنيا ولم يطالوه، يوم اشتفاء الصدور من الطغاة، يوم يسخر المؤمنون من الكافرين الذين كانوا يسخرون منهم، يوم يضحك الباكون ويبكي الضاحكون، يوم يقوى الضعيف وينتصر ويضعف القوي وينحصر، ويعز الذليل ويخزى العزيز ويذل، يوم يعرف الناس أقدارهم الحقيقية ويعرفون أقدار بعضهم بعضا.. فرُبَّ دميمٍ عديمٍ سقيمٍ في الدنيا هو يوم القيامة من المقربين، ورُبَّ بهيٍّ غنيٍّ قويٍّ في الدنيا هو يوم القيامة بقدر حشرة تدوسها الأقدام، يوم لا تناصر ولا كيد، يوم لا أحد ألحن بحجته ولا شهود زور.. هو يوم العدل الذي يقابل ظلم الدنيا كله فيغسله غسلا.. يؤخذ للمظلوم المسلم من الظالم المسلم حتى يشتفي صدره -وهو من مات بغلِّه- حتى ينزع العدل ما في صدره من غل فيشفق على أخيه الظالم.. فإذا اشتفت الصدور جاء حق لا إله إلا الله، فمن أتى بها فقد وضع اسمه ولو في آخر كتاب المرحومين غير المخلدين في الجحيم، ومن عاندها وجحدها فقد هوى خالدا في العذاب الأليم المهين.. ومنهم من يخلد في ضحضاحها ومنهم من يخلد في قعرها، أعاذنا الله من مسها وريحها!.. ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. أما الجنة فهذه الرحمة العظمى التي اختزنها الله لعباده المؤمنين، وفيها رضوانه، وهي مع هذا درجات كما كان الناس في الدنيا درجات، وهي أكبر درجات وأكبر تفضيلا، ولكن لا تحاسد فيها ولا تباغض ولا تكبر، ولكن في الجنة سادة ووجهاء وفيها عامة، وكل واحد منهم في مُلكه سيد، ولكن كل واحد منهم بقدر درجته تكون عند الله قدر كرامته وشفاعته، فشتان بين كرامة وشفاعة الحسن بن علي رضي الله عنهما وكرامة وشفاعة آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة مثلا، والأول سيد شباب أهل الجنة، أي هو سيده، فنقول سيدنا الحسن في الجنة ونقول سيدنا الحسين وسادتنا الأنبياء وسادتنا المقربون..
وصلى الله على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد وعلى آله المطهرين وصحبه الطيبين وسلّم تسليما كثيرا!



إذا أعجبك هذا فلا تنسَ التقييم والإعجاب والتعليق والمشاركة والمتابعة وغسل اليدين وشرب اللبن :)