تكاد لاتخلو أي مائدة في العالم من مادة الخبز باعتباره المكون الرئيسي المرافق لأي وجبة غذائية كيفما كان نوعها، لذلك ارتبطت كلمة الخبز بالكثير من الأمثال والأقوال لدى معظم الشعوب والحضارات التي توحي بالكد والسعي والعمل المضني نحو تحقيق العيش الكريم، وكتعبير عن التمثلات الفكرية في الحياة على اختلافها، فترى الكاتب الروسي الشهير "فيودور دوستويفسكي" يقول :

_"إن قطعة الخبز تبدو لنا دائما أكبر مما هي في الواقع حين نراها في يد غيرنا ". 

وعربيا يقول الشاعر الفلسطيني" محمود درويش" :

_" إنا نحب الورد لكنا نحب الخبز أكثر ونحب عطر الورد لكن السنابل منه أطهر. 

فكلمة الخبز كانت حاضرة دائما في المخيال العربي والعالمي للدلالة على الحياة والدهر والشقاء والبؤس والعيش اليومي المليء بالصراعات والكفاح والمنافسة، لذلك أفرز الواقع المعاش محليا  عبارة " الجري وراء الخبز  " لكن تختلف طرق الوصول إلى كسب الخبز بين شخص وآخر ويختلف نوع الخبز المراد الوصول إليه. 

ولأن الخبز كماهو متعارف عليه يحمل الكثير من البركة ويحضى بنوع من القدسية التي تجعل المرء لايقوى على رميه بسهولة، فهو يمثل اختصار لكافة النعم التي يتمتع بها المرء في الحياة، لذلك يكون الحرص التام على تمكينه من العناية اللازمة داخل البيت العربي بالأخص، فهو يشكل رمزية ثقافية تختزل معاني الإلتزام والصرامة والجدية. 

وهناك من يسعى إلى إقناع الناس لدرجة القسم باسم " الخبز المشترك" ، وكأن ذلك الخبز المشترك هو الحجة القاطعة على الصدق والوضوح ورافد من روافد مد جسور الثقة بين الناس، وكأن الخائن لهذا المعطى سينال العقاب وتنزل عليه اللعنة ويكشف أمره مع الوقت، ففي الموروث الشعبي العربي يقال أن الخبز المشترك كفيل بإيقاع المرء في شر نفسه وشراك خبثه !

وهذه المعتقدات سواء صحت أم بطلت، فهي تحمل الكثير من الأبعاد السوسيولوجية التي تعطي قراءة للتصورات الفكرية والثقافية للمجتمعات على اختلافها من خلال تفسيرها لمفهوم الخبز ودلالته، فضرورة السعي وراء الخبز تجعل المرء يقع في الكثير من المواقف التي تختبر شخصيته ومبادئه، ففي كثير من الأحيان يجد المرء نفسه يتلبس مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" ليصنع مجدا ظاهريا مبهرا وفي العمق لاتجد سوى الخراب النفسي والإنساني الذي سرعان مايطفو على السطح عند أول اختبار. 

ونفس السعي قد يعطي مجالا واسعا للنفوس المهترئة شكا من أجل تجاوز القانون وضرب القيم والمبادئ والأخلاق الإنسانية الحميدة من أجل كسب القوت الحرام والترامي على خبز الآخرين تحت مبررات وهمية تصبغ زورا وبهتانا بطابع الفطنة والذكاء !  

واليقين أن الملتزم بالقيم الأخلاقية في مسعاه نحو كسب الخبز  في زمن اللاقيم لايمكن أن يلام على هذا الأمر رغم صعوبة مساره لمجرد أن العابثين بالقيم والمبادئ الرفيعة يعيشون الرفاهية، فالعقول الصغيرة والنفوس الفقيرة وحدها من تؤمن وتمجد هذا النجاح الزائف !  فالإنسان لايحيا بالخبز وحده ولو صور لنا الواقع عكس ذلك! 

ويبقى الواقع المعاش غير قادر على أن يرتفع فوق كنه الحقيقة وجوهر ماهو صحيح وإن اتخذ من الفاسد قدوة، والتافه نجما، والجاهل عالما، والسفيه مثقفا ! فتلكم مجرد خدع بصرية لابد وأن يآتي اليوم الذي تنجلي فيه ويصدح في وجهها صوت الحق والصواب لكشفها وتعريتها بشكل جلي ولو بعد حين.