تعالت الأصوات خلال العشرية الأخيرة حول الإختلالات التي تعرفها بعض الجامعات على مستوى التسيير وطريقة ولوج شعبة الماستر والدكتوراه بالأخص، و طفى على السطح تداول وجود ثلة من تجار النقط والمقاعد والشهادات _فئة لا تنتمي لرجال ونساء التعليم الشرفاء الذين كان لهم الفضل في تكوين كفاءات وأطر لعقود من الزمن بكل تجرد ومصداقية وضمير حي _والتي يمنحونها لأشخاص لايستحقونها مقابل مصالح شخصية ضيقة سواء مادية أو معنوية... وهو مايضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، و يقتل الطموح والحلم بالإرتقاء المهني والمعرفي لدى الشباب ظلما وعدوانا، ويكبح آفاق مجموعة من الكفاءات الفكرية، ويهدم قدرة المجتمع على الرقي الإجتماعي والإقتصادي وإنتاج النخب نتيجة تراجع جودة خريجيي الجامعات، والأطر ذات الكفاءة...في الوقت الذي كان من المفروض أن يشكلوا الدعامة الأساسية لتطوير قطاع الخدمات على جميع الأصعدة. 

ولعل الواقع العملي يكشف على أننا أصبحنا أمام تفشي مايمكن أن نسميه ظاهرة " الأمية الحديثة" حيث نجد الكثير من الحاصلين على الشواهد العليا دون أي رصيد معرفي عال أو مهارات مكتسبة، ودون أي مكنة للإبداع والإبتكار الذاتي، ناهيك عن عدم القدرة على التواصل، أوكتابة مقال بسيط يحترم شروط التدوين الصحيحة، أو التحدث السلس بلغة عربية سليمة خلال أبسط الندوات الثقافية والعلمية. 

اليوم، وبعد أخبار ملفات شبهة الفساد ببعض الجامعات المتناثرة على صفحات الجرائد_ في انتظار أن تقول العدالة كلمتها_وتزامنا مع الدورية رقم 1/2020 لرئاسة النيابة العامة حول مكافحة الفساد، وانسجاما مع الخطابات الملكية حول إصلاح التعليم وأهميته القصوى في مجال التنمية، حيث أشار الملك في جزء من خطاب العرش 30 يوليوز 2009 إلى مايلي :

_" و يشكل الإصلاح القويم لنظام التربية والتعليم والتكوين، المسار الحاسم لرفع التحدي التنموي. فعلى الجميع أن يستشعر أن الأمر لا يتعلق بمجرد إصلاح قطاعي، وإنما بمعركة مصيرية لرفع هذا التحدي الحيوي، سبيلنا إلى ذلك الارتقاء بالبحث والابتكار وتأهيل مواردنا البشرية التي هي رصيدنا الأساسي لترسيخ تكافؤ الفرص، وبناء مجتمع واقتصاد المعرفة، وتوفير الشغل المنتج لشبابنا".

فضلا على أن الفقرة الأولى من المادة 4 من الإتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم المعتمدة من طرف المؤثمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في 14 دجنبر 1960 في دورته الحادية عشر، والتي دخلت حيز التنفيذ منذ 22 ماي 1962 تنص على مايلي :

_" تتعهد الدول الأطراف في هذه الإتفاقية فضلا عما تقدم بأن تضع وتطور وتطبق سياسة وطنية تستهدف عن طرق أساليب ملائمة للظروف وللعرف السائد في البلاد، دعم تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في أمور التعليم، ولاسيما :
أ-... جعل التعليم العالي كذلك متاحا للجميع على أساس القدرات الفردية، وضمان التزام الجميع بما يفرضه القانون".

ومن هنا، يتضح أن هذا الإهتمام بالشباب والتنمية والتعليم من طرف أعلى سلطة في البلاد أو على مستوى المواثيق الدولية لم يأتي من فراغ، وإنما هو نتاج إيمان قوي وعقلانية راسخة في كون تطور المجتمع وتنميته ينطلق من التعليم القويم المبني على الشفافية والنزاهية والكفاءة؛ التي هي صفات لاتستقيم مع الممارسات الخارجة عن القانون والتلاعب بمجهود وأحلام المجتهدين من أبناء الوطن.

لذلك يبقى أخطر ما يهدد المجتمع هو الإتجار في العلم والمعرفة، فحينما تفسد الجامعة ويموت ضمير المعلم، فلن تنهض الشعوب ولن تشهد الأمة أي تقدم أو ازدهار مهما حاولت، ليطرح السؤال نفسه : هل آن الأوان من أجل إلغاء نظام الولوج للماستر والدكتوراه بشكله الحالي درءا لكل هذا الفساد الذي ينخر جسد العلم والمعرفة داخل بعض الجامعات في انتظار إصلاح شامل وجدي وفعال لمنظومة التعليم العالي برمته ؟ وهل بات من الضروري فتح التعليم العالي للجميع في إطار دستورية الحق في التعليم استثمارا في العقل البشري الذي على أساسه تقوم الحضارات والدول العظمى واستحضار دور العلم المبني على تكافؤ الفرص من أجل مستقبل هذا الوطن العزيز الذي يحتاج لجميع أبنائه ؟