مما لاشك فيه أن التعليم هو القاطرة التي تدفع الدول والمجتمعات للامام فالتعليم هو الوسيلة الاسهل والاسرع والانجع لحل جميع مشكلات المجتمع وتطويره.

اعلنت وزارة التربية والتعليم عن تطوير المناهج وهنا ساتحدث فقط عن منهج العلوم وذلك لانني اعمل مدرس علوم وحصلت على دبلوم عام وخاص وتمهيدي ماجستير في المناهج وطرق التدريس ولذا ساقوم بكل بساطة بتطبيق ما درسناه في الكلية على التطوير الحادث في منهج العلوم

تصرح الوزارة ان ما المنهج الحديث هو منهج متطور وانه يشجع على التفكير الناقد والابداعي وغيره وتواجه النقد الموجه اليها بانه من هواة وغير متخصصين وانه نقد غير موضوعي ولايستند على اسس علمية والان سنحاول نقد المنهج بصورة علمية وموضوعية.

اولا من حيث التربية المقارنة : تقول الوزارة انها نقلت احدث المناهج من البلدان المتقدمة تعليميا لتطبقها في التعليم المصري ومن مبادي علم التربية المقارن انك اذا قمت بنقل منهج من دولة اخرى، لابد من ان تراعي الاختلاف بين كلا الدولتين وتقارن بين ظروف كل دولة حتي تتوقع بدقة امكانية النجاح فلا يمكن ان تتوقع نجاح منهج في مجتمع متعلم بالكامل ومثقف ومدرسة بها معامل وانشطة وكثافات قليلة  ومعلم مدرب على المنهج ويدرس بهذه الطريقة من فترة  وطالب معتاد على هذه الطريقة في التعلم من الصغر  ان ينجح في بيئة تختلف تماما وتفتقر لكل عوامل نجاح المنهج ، ثانيا عندما تاخد منهج لابد من ان تقوم بعميلتي الترجمة والموائمة فمثلا يتحدث المنهج الاصلي عن البطريق وسمكة الثور والدب القطبي فكان عليك عند ترجمة المنهج ان تراعي البيئة المصرية فتحدثه عن الكائنات المحيطة بالطالب والتي يشاهدها كالكلاب والقطط والحمير والجمال وغيرها، ثالثا من مبادئ نفس العلم انك عندما تحاول ان تنفذ منهج ما ان تقوم بعمل نموذج اختباري له وتاخذ راي الطلاب والمدرسين واولياء الامور والخبراء ثم تقوم بتعديله حتي تصل لاحسن منهج وهذا لم يحدث، رابعا من صفات المنهج الحديث ان يشترك في وضعه الوزارة والخبراء والمدرسين واولياء الامور وغيرهم مثل الاطباء والمهندسين ودكاترة الجامعات حيث يقترح كل منهم منهج يلمس مشكلات المجتمع ويطوره. خامسا اليس من مبادئ التربية ان يتم تدريب المعلم اولا على المنهج قبل فرضه ام يتم فرض المنهج على المعلم بدون اخذ رايه او تدريبه.سادسا من صفات المنهج الحديث الا يفرض على المجتمع من فوق بل يكون نابع من المجتمع ومشكلاته ودوافعه وثقافته وطموحاته، فكيف تتوقع الوزارة نجاح منهج يعارضه كل القائمين على تنفيذه من مدرسين وطلاب واولياء امور وموجهين فهل سينجح المنهج وحده بدون اي مشاركة منهم!!!

يقابلنا من يقول ان المنهج الموضوع حاليا منهج حديث وليس منهج تقليدي ولكن التفكير الناقد الذي تعلمناه يتطلب منا ان نبحث عن دليل على هذا الكلام المرسل .

ان منهج الصف الرابع الابتدائي به بعض المميزات ولكن به الكثير من العيوب فهناك محاولة لاشراك الطالب عن طريق بعض الاسئلة والانشطة ولكن  كلها اسئلة في موضوعات خارج اهتمام الطالب وانشطة على الورق وليست عملية  فهو لايصنع لعبة او يزرع نبته وغيرها، كما ان الثقافة المصرية تعتمد على تجاهل الانشطة والاسئلة لان المنظومة القائمة على التعليم لم تشارك في وضع المنهج ولا تعرف الى ما يهدف . هناك بعض الموضوعات الهامة التي تمت اضافتها مثل الحواس ولكن تناولها اكبر من عقل الطالب فالكتاب يتحدث مع طالب ابتدائي بمصطلحات تناسب خريج الجامعة وكانه يفهم هذه المصطلحات المعقدة ،ويتحدث عن موضوعات خارج اهتمام الطالب، فطالب رابعة ابتدائي لا يهتم بالحفاظ على البيئة او انقراض بعض انواع الحيوانات او اطلاق قمر اصطناعي في الهواء او صناعة روبوت ، لايهتم بالسيارات الثقيلة او الخفيفة ، لايفهم الالكترونات او محرك الاحتراق الداخلي او الطاقة الكيميائية ، طالب يريد ان يلعب ويتعلم بما هو محيط به وبما يستخدمه ، طالب يريد معلومات تتمحور حوله هو اولا وحول اهتماماته، طالب لايستوعب جميع انواع الطاقة وانواع التصادم ، ان واضع المنهج تشعر كانه يتعامل مع الطالب وكانه لن يراه مرة اخرى فيعطيه كل العلم الموجود في ترم واحد !

اما عن باقي المناهج فحدث ولا حرج ، فهل يتخيل شخص في العالم الحديث اننا ندرس الحاسب الالي في الكتب ويمتحن على الورق  ، مازلنا ندرس التفاعلات الكيميائية والدوائر الكهربية والزراعة والتجارة والصناعة في الكتب ولايمارسها الطالب ،ولذا سنظل طوال الوقت منتظرين الغرب لكي يصنع ويزرع ويبتكر لنا لاننا نمارس كل شيء نظريا.

اليس من الاولي بدلا من ان نسال الطالب هل ارجل البطريق تكون باردة ام دافئة ،ان نتحدث عن مشكلة مثل داء الكلب ، أغلب الناس لايعرفون انه اذا تعرضت لعضة من كلب او قط او فار او خفاش او حتي حمار عليك الحصول سريعا على مصل الكلب لانه اذا كان الحيوان مصاب فيمكن ان تظهر الاعراض بعد عدة شهور ولكن ساعتها الموت سيكون حتميا، لانه ليس هناك علاج لهذا المرض ونحن تنتشر بيننا الكلاب الضالة.

ما اهمية ان يدرس الطالب في اول الكتاب التكيف اليس كان من الافضل لو تريد منهج حديث ان تعلمه تصنيف الحيوانات والنباتات ثم تصنيف الحيوانات، اتذكر ونحن صغار كنا ندرس تصينف الحيوانات لحشرات وطيور واسماك وزواحف... الخ، فكنا كلما شاهدنا حيوان في البيئة او التلفاز او كتاب نقوم بتصنيفه طبقا لما تعلمناه ونتناقش معا وهذا يجعل الطالب يبحث طوال الوقت حتي بدون استعمال الحاسوب وياتي ليناقش مدرسه او زملائه ، هل ثعبان البحر زواحف ام اسماك ، الجمبري سمكة ام حشرة ..الخ.

ثانيا ما اهمية هذا الكم الرهيب من المعلومات وهو ما يتنافي مع التوجه الحديث في التربية فنحن في عصر الانفجار المعرفي ولم يعد متاحا لاي شخص متخصص في اي مجال ان يحفظ كل المعلومات وكذلك اصبح من اليسير جدا على اي شخص بضغطة زر ان يحصل على المعلومات فهنا اصبح حفظ المعلومات ليس شيء شديد الاهمية بل اصبح البحث عن المعلومة والتفكير الناقد لتمييز المعلومة الصحيحة من الخاطئة والاشاعة من الخبر السليم مهارة ضرورية  ، كذلك مهارة فهم المعلومة وتحويلها لتطبيق عملي ، فكان المتوقع ان يتم تقليل المعلومات واستبدالها بحصص للمعمل وللممارسة والنقاش والانشطة وغيرها، ولكن الحادث هو العكس فهو حشو اكثر بالمعلومات الغير مترابطة والتي لاتناسب احتياجات الطالب  لتصبح المعلومات في الكتاب ( من كل فيلم اغنية ).

تعلمنا ان  علوم يعني معمل فما هي التجارب التي سيقوم بها المدرس امام الطالب في المعمل ، ان هذا المجلد الضخم ليس فيه تجربة في المعمل وكانه يقول للطالب لاتفكر في استعمال المعمل مرة اخرى!.

كذلك مادمت ساقوم بعمل منهج جديد علي ان اهدم احد اكبر المشاكل في النظام القديم وهو اعادة السنة ، فاذا تم الغاء نظام الرسوب لسنة في الجامعات اليس الاحق بهذا النظام هو الطفل الصغير الذي تتدمر نفسيته تماما عند رسوبه في منهج اكبر من عقله واستيعابه.

ان المنهج الجديد وليس الحديث يدمر الطالب فهو  مشتت ما بين صعوبة ادركه لكم رهيب من المعلومات لاتتناسب مع سنة وما بين ان يقال عليه غشاش لانه يحاول النجاح في منظومة مستحيل ان ينجح فيها بمجهوده وعقله المحدود.

فكما نلاحظ يفتقر المنهج للترابط المنطقي فتشعر ان كل درس يتكلم في وادي عن الدرس الاخر، كما يفتقر كذلك للتدرج من المحسوس للمجرد ففي البداية يدرس الطالب مفاهيم مجردة صعبة مثل الطاقة والقوة وتجد مصطلحات مثل الالكترونات والجهاز الهضمي والتكيف  في حين انني لم ابدء بان اشرح له ماهي العلوم ولماذا يدرسها وامثلة لبعض العلماء وانجازتهم وبعض الامور المحسوسة التي مطلوب من الطالب ان يبحث فيها وليس مطلوبا منه معرفتها ، فيقارن بين الاجسام السماوية من الشمس والقمر والنجوم والسحاب ويدرس الاسنان والجلد والشعر والعين وكيف يحافظ عليهم وماهي الامراض التي تصيبهم ، او اكلمه عن الامراض المعدية مثل مرض كورونا ويتعلم عمليا كيف يمنع العدوي وغيرها من المهارات.

ان المنهج الحديث في علم المناهج يهتم بالناتج المعرفي والسلوكي فهو يهتم بالممارسة وليس بالدرجات ، فليس من يحصل على الدرجة النهائية في الحاسب يمكن ان يشغل الحاسوب وليس من ينجح في مادة الاخلاق على خلق ،فنحن نفصل بين الممارسة التطبيق ، فالاخلاق والاحترام سلوك يتعلم بالممارسة والاقتداء فعندما يشاهد الطفل ابيه او معلمه او فنان يحترم الاخر سيحترمه وعندما يشاهد فنان يسخر من اخر لوزنه او عاهة به سيتعلم ذلك ايضا، فهل يتم تطبيق احترام الاخر عمليا في الفصل ، فكل العلوم في الدنيا نظري وعملي ، معرفة وممارسة ، فمثلا نحن ندرس مادة  الطرق الحديثة للتعليم في الجامعات بطريقة المحاضرة اي الطريقة القديمة لذا نفشل عندما يطلب منا تنفيذ منهج حديث.

ان اكبر مشكلات التعليم المصري انه ضارب في النظرية ،فكل شيء يتم دراسته نظريا من اللغات والرياضيات والعلوم والحاسب والسلوكيات التربوية مما يجعله تعليم  قليل الكفاءة فالطالب المتخرج من التعليم الثانوي بعد عشر سنوات  لايستطيع ان يلتحق بوظيفة جيدة يكتسب منها رزقه في حين ان اخيه الذي ترك التعليم ليتعلم صنعة معينة يكسب يوميا نقودا تكفيه.

ان حال الطلاب والمعلمين لايخفي على احد، فالمدرسة بالنسبة للطالب هي سجن يومي يقضي فيه عقوبته فيحبس فيه لعدة ساعات يوميا لايستطيع حتي ان يقضي حاجته بدون استذان ، مكان لكبت جميع الحاجات النفسية والعقلية والحركية التي خلقها الله فيه فلايتحرك ولايلعب ولايفكر ولايبحث واحيانا يفرض المدرس عليه الايتكلم مطلقا او ينام على المكتب، مكان ليس به ادني درجات النظافة او الاحترام أو الحرية،يخضع فيه المتعلم لسلطات المعلم بلا نقاش او تفكير ،ويحفظ المنهج دون ان يفهم ويتعلم نظريا ما يطلب ان يمارسه عمليا ، وياخذ المعلومة بدون البحث في مصدرها او التفكير في صوابها من خطأها، كما يخضع لمضياقات لاتنتهي من الطلاب سييء الخلق بدون حساب او عقاب لاحد ،يدرس منهجا يعيش في وادي واحتياجاته وتساؤلاته ورغباته في وادي اخر، نوع من الجهل ولكن بشهادة، يصرخ الطلاب فيه فرحا بمجرد سماع جرس الافراج اقصد الانصراف، يعيش في جو الموظفين من الحضور والانصراف والصعود الوظيفي بالاقدمية من صف لصف بلا ادني اعتبار للتميز او التفوق، واهم شيء هو الورق، النجاح لابد من ان يكون على الورق وليس على الحقيقة ، ولذا لا نتعجب عندما نشاهد من يقول ان اهم شيء في هذه البلد ان يكون الورق سليم، ليصبح الورق اهم من الواقع.

باختصار اذا صنعت منهج سيئا لايعجب الناس فعليك تغيير المنهج وليس الناس.