دائماً ما تمنحني المواقف مع الغرباء سعادة من نوع مختلف ... ليس أجمل من أن يحدث لك موقف استثنائي من شخص لا تعرفه ... و غالباً لن تلتقيه ثانية لتشكره على الفارق الحقيقي الذي تركه بداخلك ، فلنبدأ.

في سنتي الثانية من الطب ، كان جدولي مزدحماً جداً ... وضعت الكثير من المواد الثقيلة التي لا ينبغي لها أن تكون في فصل واحد ... كان الأمر متعباً جداً وكنت لا أطيق النهوض في الصباح والذهاب إلى الدوام من فرط الإجهاد الجسدي والنفسي ... كانت ملابسي مقبولة لكنني لم أكن أنفق وقتاً طويلاً في تجهيز نفسي ... وصلت الجامعة وسرت مع أحد صديقاتي للمكتبة حتى نأخذ المصعد نزولاً لكليتنا، وكان أمامنا طابور طويل من الناس يدخلون من باب المكتبة ... رأيت وقتها انعاكسي في زجاج باب المكتبة ... ونظرت إلى نفسي مطوّلاً ... كانت المرة الأولى خلال ذاك الفصل التي أطيل فيها النظر إلى نفسي هكذا ... وبدوت متعبة للغاية فقلت لصديقتي
" شكلي بخزي" ... فسمعت صوت فتاة بجانبي تقول لي
" لا عفكرة ، إنت حلوة" ... في البداية ظننتها تحادث أحداً على الهاتف ... كانت من الموظفين وكان هناك جهاز يستعملونه لتسجيل الحضور عن طريق بصمة الوجه ... فالتفت نحوها لأتأكد ما إذا كانت تحمل هاتفاً أم لا ، فقالت لي " أنا قصدي عنك" ... ثم دخلنا من الباب ... ولم أتكلم بحرف مع صديقتي لأننا لم نستوعب ما حصل ... ثم تكلمنا في الأمر ، وكان ذلك أجمل ما حصل معي في ذاك الفصل الكئيب .

في الفصل نفسه كانت فترة الامتحانات من أسوأ ما يكون ... لا يوجد فاصل بين الامتحان والآخر ... مواد كثيرة ... امتحانات صعبة ... وكانت المواصلات التي أستقلها للجامعة أسوأ من كل ما مضى ... وصلت لآخر امتحان وكنت قد استهلكت نفسي، ولم يتبقى لدي أي دافع للاستمرار لدراسة مادة الامتحان ... ومادة الامتحان كانت طويلة ومليئة بالحفظ والاستذكار ... كان تجميعي فيها مرتفعاً وكنت أريد تحصيل امتياز فيها ... لكنني لم أجد بداخلي أي شيء ... أي شيء مطلقاً يدفعني للدراسة ... فكتبت على أحد المنشورات على المجموعة الفسيبوكية الخاصة بالمساق أسأل فيها محاضر المادة الآتي" دكتور لو حدا قرأ المادة بشكل سطحي بنجح؟" ... كنت فقط أريد النجاح ، فرد علي وذكر جملة ما زالت تتردد ببالي حتى لو هو لم يقصدها حقاً " Iam sure you will ace it" ... كان سطراً خاصاً من نوع ما وبطريقة ما أعاد لي رباطة جأشي فدرست ما استطعت وكنت أود النجاح فقط... لكنني لم أنجح وحسب بل أحرزت امتيازاً ... وقد كانت من المرات القليلة في حياتي التي يأتي فيها الامتياز ليبحث عني ولا أجري خلفه.

ذهبت مرة لشراء دواء من الصيدلية ، فسألني الصيدلاني عن ما إذا كنت أريد العلبة كاملة أم فقط مجرد شريط واحد ... فأخبرته أنني أريد " صشت " ... فقال لي " إنت شو دارسة ، مدامك عرفتي الصشت؟" ... فقلت له " طب"... فقال لي " والله لو بقدر أعطيك إياه ببلاش (أي بالمجان) كان أعطيتك "... فقلت له " ولا يهمك ، الله يسعدك" ... أسعدني أنه انتبه للأمر فقد كنت أشتري الدواء كثيراً ودائماً أستعمل كلمة " صشت" لأنني معتادة عليها ولم ينتبه أحد قبلاً.

تقرر موعد الامتحان الشفوي لمساق النسائية والتوليد في مدينة تدعى جنين ... ذهبت إليها قبلاً أثناء التدريب لكنني لم أمشِ في شوارعها، فقد كانت السيارة توصلنا للمكان الذي نتدرب فيه وتأتي لتأخذنا من نفس المكان ... لم أكن أعلم أين يقع مجمع السيارات والحافلات حتى أستقل سيارة لمحافظتي ... أديت الامتحان وكان سيئاً حتى أنه امتحنني طبيب واحد والأصل أن يكون هناك طبيبان لكن أحدهما لم يكن موجوداً عندما حان دوري ... فخرجت وأنا لا أعلم أين أذهب بالتحديد ... مشيت قليلاً ثم سألت فتاة في الشارع فأشارت لي بالبداية ثم عندما علمت أنني لست من المحافظة ، قالت لي " رح أوصلك عليه" ... وسارت معي حتى وصلت ، بدا الأمر مريحاً للغاية ... لطالما كنت أوصل صديقاتي لأنني أحفظ جميع الطرق جيداً في محافظتي والمحافظات الأخرى التي كنت أتدرب فيها وتتاح لي فرصة التجول في شوارعها ... ولم أجرب قط شعور أن يوصلني أحد ... وخاصة بعد يوم ثقيل وسيء ...

بداخلي امتنان كبير لجميع هذه المواقف ... لجميع الشخصيات فيها ولو لم أعرفهم ... فهم من حيث لا يحتسبون كانوا اليد الحانية التي مسحت عليّ في أحلك أوقاتي ... وأقساها ... وأكثرها شدة ... وأحمد الله على ألطافه الخفية التي تأتي لتنقذني دائماً من حيث لا أدري ، والتي يحدث دائماً أن يكون توقيتها مثالياً ... فاللهم لك الحمد كما ينبغي لكمال وجهك وعظيم سلطانك .