لا أدري أين يسير العالم ولا أين سيصل الأمر ... لقد انتشر القتل وأخشى أن ينتشر أكثر فأكثر، و نعتاد عليه كما اعتدنا على كثير من الأشياء الخاطئة قبله، ولم نحاول تغييرها بقدر ما تمتمنا بالدعاء وطلبنا الحماية لأنفسنا، وكأن من يموتون هم مجرد دمى عديمة القيمة ... تركنا جثامينهم تقطر دماً حتى جفت من تحتهم الدماء وعدنا لممارسة حياتنا وكأن شيئاً لم يكن ... وكأن أحدهم قد أعطانا ضماناً أنّ القتل لن يطالنا أبداً ... لا أدري كيف يمكن لنا أن نكون بهذه الثقة .

رأيت اليوم خبراً يقضي بمقتل فتاة في تركيا في عامها ال28 ، وعندما سألوا قاتلها عن سبب فعلته أجابهم:" كنت أشعر بالرغبة في القتل ،ولم أشأ قتل رجل فيقاومني فقتلت فتاة وحيدة تمشي في الشارع" ... كان يشعر برغبة في القتل!! كم من الخسيس أن تنتهي حياة المرء فقط لأن أحدهم "شعر برغبة في القتل " فأنهى حياتك لأن حظك سيءٌ لدرجة أنك من وجدك في طريقه .

أتذكرون فتاة الحسكة ، والشاب المصري الذي انهال على زوجته بالسكينة ، لقد شاهدت الفيديو وكان من أكثر المشاهد إيلاماً في حياتي ، انهال عليها بالطعنات وكان يطعن كل شبر من جسمها تقع عليه سكينه حتى لم يعد في جذعها مكان فارغ للطعن بعد ... أكان يجب أن يعذبها هكذا؟ ألم تكفيه طعنة واحدة؟ مع أنها ومن السكين المستخدمة وعمق الطعنات كما رأيت كانت ستكون أكثر من كافية لإنهاء حياتها؟ بلى ... كانت تكفيها طعنة واحدة لكنّ الأمر أنّ من يقتل هو متعطش لذلك ... فحتى وإن كانت طعنة تكفي فإنه سيستمر في الطعن حتى يروي عطشه الجبان ... هؤلاء ليسوا بشراً بل وحوش كاسرة في هيئة البشر ... ونحن عندما نستمر في عدم محاسبتهم سنكون وحوشاً أعتى منهم لأننا سمحنا لهم بالفرار ... وأبقيناهم على الوجود ليمارسوا القتل أكثر فأكثر.

وماذا إذا زجننا بهم في السجن؟ أتعتقدون أنّ شخصاً قام بإزهاق حياة شخص آخر يملك شيئاً ليخسره؟ لو كان كذلك لما أقدم على فعلته لأنه لا يريد أن يتعفن وراء القضبان ويخسر الشيء الذي يمنح حياته البائسة معنى ... لكنه مليء بكل شيء سيء للحد الذي يجعله لا يأبه ... فهو إن دخل السجن أو بقي خارجه في الحالتين سيكون أسير أفكاره السوداوية ، والفراغ الذي يعتلي روحه فيصنع منه كائناً مجوّفاً يرى أن حياة الآخرين لا تساوي شيئاً فقط لأن حياته هو لا تساوي شيئاً ... ثم إنه يعرف أن الأمر سينتهي بفنجان قهوة ... وحتى إن زُجّ به في السجن فسيقضي وقته ويخرج ... كم سيلبث هناك ؟ لا يهم سيخرج في نهاية الأمر وقد يعود لممارسة فعلته من جديد ... لأن السجن لا يصلح الأمور ... هو فقط مكان لعزل هؤلاء عن بقية الناس ... لكنه لا يغير هؤلاء أبداً بل ربما يخرجون أسوأ من ذي قبل لأن ظروف السجن دائماً ما تكون سيئة ويسير الأمر وفق قاعدة " البقاء للأقوى".

لهذا جعل سبحانه عقوبة الشيء بمثله و عقوبة إزهاق الروح تكون بإزهاق روح القاتل نفسه ... ليعلم هو ومن على شاكلته أنه في اليوم الذي يقرر فيه إزهاق روح أحدهم فإنه يحكم على نفسه بالموت ... لو كانت هذه عقوبتهم لما تجرأ أحد على أحد ... كما جعل سبحانه صورة إحياء روح واحدة بإحياء أرواح الناس جميعاً وصورة إزهاقها بإزهاق أرواح الناس جميعاً ... فسبحانه وتعالى عما يصفون ...