في آخر جزء تكلمنا عن موضة خلع الحجاب ، نكمل اليوم في الحديث عن ماذا تفعل الفتاة بعد أن ينتقدها جمهورها ويحاولون ثنيها عما فعلت ... ببساطة تسجل فيديو فحواه أن الأمر حرية شخصية ،وألّا أحد سيحاسب عن أحد ... وأنها ما زالت نفس الشخص لكن مع عدم وجود قطعة القماش التي تغطي شعرها ...

مشكلتي هي مع المشاهير الذين يعلقون على الأمر ويدافعون عنها بحكم المعرفة ، ويجعلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضمن التدخل في الناس ومحاسبتهم بغير وجه حق ، وفي حقيقة الأمر طلب سبحانه منا ذلك لئلا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويتجرأ كل أحد على فعلها لأنه لا يرى استنكاراً أو بغضاً من الناس تجاهها ، كما أن الأمر يحدث على الملأ فلو قامت إحداهن بنزع الحجاب ولم يكن أحد يعرفها فإن من سيتوجه لها بالنصيحة هم فقط المقربون منها ،أما عندما تقومين بذلك على منصات التواصل التي يتابعك عليها الآلاف فأنت لا تستطيعن إسكات الجميع أو حملهم على موافقتك على هذا الفعل ، أم أن المتابعين رائعون فقط عندما يوافقونك فيما تقولينه وتفعلينه؟ وعندما يعترض أحدهم تلجئين للقول بأنك تتعرضين للتنمر؟ حيث أصبح مصطلح التنمر أسهل وسيلة للخروج من أي هجوم أو انتقاد .

يزعجني أكثر البرامج الساذجة التي تزدري مفهوم الحجاب وتحوله من عبادة إلى" قطعة قماش" ، شاهدت أحد الفيديوهات التي يُسأل الناس فيها عن مشاعرهم تجاه فتاة خلعت الحجاب هل تتبدل أم لا، وعندما أجابه بعضهم أنها تتبدل باغتهم بسؤال تافه يقول" وهل احترامك للفتاة مبني على التزامها بوضع قطعة قماش ما على رأسها؟" ، وبهذه الطريقة يقوم بإحراج المجيبين ويدفعهم إلى زاوية ضيقة غالباً لا يستطيعون الخروج منها ، ثم يخرج بخلاصة من الأمر تقول بأن احترام الناس لا يجب أن يُبنى على ما يلبسون .

دعوني أطرح عليكم سؤالاً أفضل ، عندما تحب شخصاً ما فما الذي تحبه فيه تحديداً أو ما الذي يجعلك تنجذب نحوه ؟ الحقيقة أنك لو جلست مع نفسك لتفكر ستجعد مزيجاً من العوامل ، من ضمنها الشكل ، الشخصية ، طريقة التفكير ، المبادئ ، فعندما أحب فتاة محجبة ثم تتخلى عن حجابها ستهتز صورتها داخلي ليس لأنها نزعت قطعة قماش عن شعرها كما يزعمون ، بل لأنها تخلت عن عقيدة ما كانت تؤمن بها يوماً إلى ما هو أدنى منها ... بالطبع من يرون الحجاب عادة لا عبادة (وقد وضحنا خطأ هذا في الجزء الأول) لن يفهموا أبداً غضب الجماهير فقط لأن إحداهن نزعت قطعة قماش عن شعرها، لأنهم أصلا مقتنعون أن الحجاب لا يتعدى كونه مجرد قطعة قماش ، ولا بأس في ذلك لأن مقالاتي ليست لهؤلاء بل لمن لديه بعض الشكوك ويسعى لفهمها.

هناك حتى برامج تسعى لتريك صور الظلم والاضطهاد التي تعاني منها الفتيات اللاتي يخلعن حجابهن ، ويحاولون التأصيل لفكرة أنّ المجتمع يحاسب فقط من تخلع حجابها على الرغم من أن هناك الكثير من المجتمعات والغربية بالأخص يضطهدون المسلمات ويحاولون إرغامهن على ترك دينهن وليس فقط حجابهن، بتضييق الخناق في كافة مجالات الحياة من علم وتعمل وصحة حتى ... حتى أنه في بعض البيئات المسلمة تمنع الفتاة من وضع الحجاب ويحاربها أهلها وعائلتها إن قررت فعل ذلك ، فلماذا لا نعرض الصورتين ؟ رغم أن مقدار الظلم فيهما قد يكون متساوياً ؟

ما أحاول قوله لكم عن الأمر أننا نتأثر بكثرة التكرار ، فعندما يفعل أحدهم شيئاً خاطئاً ويتصدى له الجميع فإنه قد يكفّ عنه أو على الأقل يخاف الذين يودون فعل نفس الأمر من أخذ زمام المبادرة ، أما عندما يخرج لنا الكثير من المشاهير ليؤيدوا إحداهن بنقضها لفريضة ما ، ويكرر الجميع نفس القول فإن الأمر سيصبح مقبولاً أكثر عند متابعيهم وستنغرس فيهم الحجج الواهية التي يستخدمونها لتبرير هذا الفعل ، حتى يصل الأمر إلى أن الجماهير نفسها لا تعود للاعتراض بل تهاجم كل من يعترض أو يكتب تعليقاً يستنكر فيه ما يحدث ، وهكذا نجد أن خلع الحجاب أضحى موضة ، لأن لا أحد سيعترض ومن سيعترض سيتعرض لهجوم شرس .

أتمنى أن تساعدكم هذه السلسلة بما سيأتي من أجزاء على التمسك بمفهوم الحجاب والدفاع عنه ، والأجزاء السابقة موجودة هنا أيضاً لمن يود الاطلاع عليها ،والله ولي التوفيق.