ضمير مغيب وربما حائر متأثر بما صنعه الزمان به ، ضمير يشبه الشخص النائم مغناطيسيا الذي يفعل كل ما يؤمر به دون نفاش أو معارضة.

في الماضي لم نكن نتخيل أن التكنولوجيا ستغير حياتنا هكذا أو تجعلها سريعة وسهلة، إلا أن بمجرد استخدامنا لوسائل التواصل الإجتماعي المختلفة أصبح تواصلنا باهتا ، يشوبه جزءا كبيرا من التظاهر والتفاخر الكذاب ، أصبحنا عبارة عن شاشات تتحدث و تراسل بعضها البعض، مشاعرنا أيضا أصبحت كاذبة ؛ فيمكن أن تكتب عريضة مليئة بالود و الحب و يتخللها الكثير من إيموجي القلوب والورود لشخص أنت في الواقع لا تحبه ، وعلى النقيض يمكن أن تتجاهل عن غير قصد رسالة لشخص عزيز عليك، فيشعر أنه غير مرغوب به ، و ينسحب من حياتك.

وعلى الرغم من أهمية الإنترنت و ما أحدثه من ثورة هائلة غيرت حياة الكثيرين ، فالبعض أصبح يعتمد عليه اعتمادا كليا في عمله ، إلا أن البعض الأخر أصبح مدمنا له بشكل يفوق التوقعات ، فهناك أشخاص أول شئ تفعله بعد الاستيقاظ من النوم تصفح وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة، و الآن تطور الأمر بشكل كبير، فقد واجهنا مهنة جديدة و هي مهنة " اليوتيوبرز" ، فهناك الآلاف ممن يمتلكون قنوات على اليوتيوب يقدمون محتوى القليل منه هادف و الكثير منه ليس له فائدة تعود على المشاهد.

فهل نشعر بالفراغ للدرجة التي تجعلنا نصور ونسرد أدق تفاصيل حياتنا على قنوات اليوتيوب؟!

أتسائل كيف استطاعت تلك الوسائل أن تقيدنا إلى هذه الدرجة؟ كيف أدخلنا أنفسنا إلى هذا السجن العملاق الذي يسرق أعمارنا أمام أعيننا؟

لم أجد إجابة مقنعة لتلك الأسئلة ، استطعت فقط أن أجد الإجابة منذ أيام قليلة عندما حدث شئ لم يكن يتوقعه أحد ، وهو تعطل خدمات أشهر التطبيقات التي يستخدمها المليارات حول العالم وهم الفيس بوك و الواتساب و بعض التطبيقات الأخرى ،الأمر الذي جعل سكان العالم يعيشون في عزلة عن بعضهم البعض لمدة تراوحت بين ال٦ و ٧ ساعات ، و على الرغم من قيام البعض باستخدام بعض التطبيقات الأخرى الأقل شهرة عوضا عن تلك التي تعطلت، إلا أن الغالبية العظمى من مستخدمي الفيس بوك و الواتساب مكثوا في هدوء منتظرين عودة الخدمة مرة أخرى.

و هنا بدأت أفهم وأعثر على إجابة لأسئلتي الكثيرة التي كانت تدور ببالي.

نعم هو الضمير ؛ الضمير هو الكلمة المفتاحية لحل هذا اللغز ، فضمائر البعض كانت مغيبة ، لم يفكروا أبدا إلا في كيفية التفاخر و التكبر على الآخرين من خلال تلك المنصات ، وإن لم يكن هدفهم التفاخر ،فهدفهم هو التسلية والترفيه عن أنفسهم فقط ولكن للدرجة التي تجعلهم منعزلين عن الواقع الحقيقي الذي يعيشونه،أو ربما يسعون إلى جنى ملايين الدولارات من وراء بث محتوى ربما يكون البعض منه غير هادف أو معارض لعادات وتقاليد المجتمع.

نحناج الآن لصحوة ضمير، للمكوث مع الذات طويلا و التحدث معها في أدق التفاصيل و الوصول معها إلى حل للخروج من عنق تلك المنصات ، والتحرر من قيودها ، ولا أعني بهذا البعد عن الإنترنت و مقاطعته فهذا شئ أصبح الآن من رابع المستحيلات ، ولكن كا ما أعنيه هو الاعتدال في الاستخدام، و هذا الاعتدال سينبع من داخلنا عندما نوقظ ضمائرنا و نقوي إرادتنا احتراما لأنفسنا و لإنسانيتنا ، فكما يقول الفيلسوف بليز باسكال " الخروج عن الاعتدال هو انتهاك لحرمة الإنسانية".