قضيت حياتي أركض وراء البشر. لقد كنت دائمًا ما قد تسميه "محتاجًا". كنت بحاجة إلى أصدقاء، كنت بحاجة إلى أشخاص حولي يحبونني، طوال الوقت، ولم أستطع تحمل الخذلان وآلام التعلق والفراق. ما يجعلنا نركض وراء البشر هو ببساطة الحب. الاحتياج إلى إعطاء الحب وتلقيه. هذا الاحتياج وضعه الخالق فينا. وكل احتياج خلقه الله كان لغرض ما. إن الحاجة إلى إعطاء الحب وتلقيه هي دافع يدفعنا إلى الله. كما ترى ، بدأنا مع الله، ويريدنا الله أن نعود إليه في هذه الحياة - حتى قبل أن نعود إليه بعد موتنا. لذلك خلق لنا دوافع تدفعنا للعودة إليه، إلى وطننا وسكننا وملاذنا: الله.


لكن مشكلتنا هي أننا نضل طريق العودة باستمرار. لا يمكننا إنكار الدافع؛ لكننا نضيع لأننا نسعى لتحقيقه بطريقة خاطئة. نحن نتطلع إلى تلبية هذه الحاجة في المكان الخطأ. لقد خلق الله هذا الدافع ليأخذنا إليه. لكن بدلاً من ذلك، يقودنا نحو البشر حيث نضيع بينهملماذا نركض خلف أشخاص آخرين؟ لماذا نطارد المال؟ لماذا نركض وراء المكانة أو السلطة؟ نركض وراء هذه الأشياء لأننا نريد الحب والاحترام. ونعتقد أنه من خلال تحقيق هذه الأشياء، سننجح في الحصول على كل من الحب والاحترام.


لكن هناك قاعدة رائعة تحكم هذا العالم. وهي بسيطة للغاية. لكن لسوء الحظ، غالبًا ما نفهم هذه القاعدة بشكل خاطئ. نعم، لدينا جميعًا نفس الدافع والاحتياج للحب والاحترام، لكن الإنسان متسرع. نفضل المكسب الفوري ولو كان قليلاً على الفائدة المتأخرة مهما عظمت، نفضل ما نراه بأعيينا على ما هو غيب، نفضل المحسوس الملموس على الروحاني. نركض أولاً إلى ما يمكن أن نراه ونشعر به ونلمسه. نركض أولاً إلى ما نعتقد أنه أقرب. نقوم بذلك لأنه بينما يكون الإنسان محتاجًا، يكون الإنسان أيضًا ضعيفًا وغير صبور. نذهب لما يبدو لنا الأقرب والأسهل والأسرع. لذلك نذهب نحو البشر وننسى الله.


نعتقد أنه كلما ركضنا وراء هذه الدنيا وكلما ركضنا أكثر وراء حب الناس والثروة والجمال والمكانة - كلما امتلكنا أكثر. نعتقد أنه كلما زادت رغبتنا في شيء ما، زادت احتمالية حصولنا عليه. وعندما لا يحدث ذلك، فإننا نغضب من الله نفسه. كما لو أن شدة رغبتنا لشئ ما، تجعلنا مستحقين له.


ولكن كلما غرقنا في سعينا لتحقيق هذه المعادلة الخاطئة، كلما فشلنا في الوصول إلى هدفنا، ونسينا المعادلة الحقيقية البسيطة للحب والحياة. هذه المعادلة واضحة: كلما زادت رغبتنا في البشر والمخلوقات، قل احتمال امتلاكنا وحصولنا عليها. إذا كان هذا هو الحب الذي تحتاجه، وتسعى إليه، فلن تحصل عليه أبدًا. إن أي شئ تنشده من خلق الله دون الله سوف يهرب منك، ولو امتلكته، لن تكتفي به.


حتى السعادة نفسها: كلما ركضت خلفها، تهرب منك أكثر. ولكن إذا ركضت إلى الله بدلاً من ذلك، فستلاحقك السعادة. إذا ركضت إلى الله بدلاً من ذلك، فإن حب الناس سوف يلاحقك. إذا ركضت إلى الله بدلاً من ذلك، فإن النجاح سيلاحقك، أعني ذلك النجاح الحقيقي في هذه الدنيا، وما بعدها في عالم البرزخ والآخرة. إذا ركضت إلى الله بدلاً من ذلك، فهو من سيدبر لك كل أمورك ويهديك ويوفر لك أحسن الظروف ويرضيك بها. هذه يا صديقي هي المعادلة السرية التي من أجلها أحرق الطغاة المدن، وغزى الملوك كل العالم - لكنهم لم ولن يعثروا عليها إلا مع الله. هذا هو السر. الصيغة الوحيدة التي تحتاج إلى معرفتها.


في حديث عميق جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دُلَّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس". (حديث حسن، رواه ابن ماجه). ومن المفارقات، أنه كلما قللنا من بحثنا عن رضا الناس وحبهم، كلما كسبناهم أكثر. كلما قل احتياجنا للآخرين، زاد حب الناس إلينا. هذا الحديث يعلمنا حقيقة عميقة. فقط من خلال التحرر من عبودية ما دون الخالق وحب ما دون الخالق، يمكننا أن ننجح مع الله ومع الناس.


السعي إلى الله هو حركة القلب ويترتب عليها حركة الجوارح. إن السعي إلى الله هو أن تجاهد في كل ما أعطاك إياه. السعي إلى الله حركة. إذا كنت سلبيًا، فأنت لا تتحرك، أنت تسقط. السعي إلى الله، هي أن توجِّه قلبك تجاهه في كل حركة في الحياة. السعي إليه هو توجيه كل هدف وكل نية وكل غاية تجاهه. السعي إلى الله يكون عندما يصبح هو الهدف الوحيد لكفاحك وجهادك. السعي إلى الله أن يكون هو المبتغى من كل تعبك ومعاناتك، أن تستمر في العمل لتكوني أفضل أم ممكنة وتكون أفضل أب ممكن وأفضل جار أو جارة، وأفضل طالب وطالبة، وأفضل ابنة، وأفضل ابن، وأفضل أخ أو أخت.


هذا هو ميراث جميع أنبياءنا عليهم السلام أجمعين. كانت سنتهم في الدنيا الكفاح والمكادحة إلى الله وفي الله. كان النبي ﷺ خير قائد، وخير أب، وخير زوج، وخير صديق. كان جسده يعمل بجد في الدنيا، لكن قلبه كان دائما عند الله. كان قلبه بالفعل في الآخرة، حتى عندما كان جسده لا يزال هنا لبعض الوقت. كان قلبه بالفعل في وطنه وسكنه وملاذه مع الله. رأى بقلبه أوهام هذه الحياة. ولذلك عملت جوارحه بجد واجتهاد. نزف وبكى وسعى ووقف جسده حتى تشققت قدماه وتعرض جسده للإيذاء في الطائف وفقد جسده النوم، وشعر بالجوع والعطش والحمى والألم وفقدان الأحبة، لكن قلبه لم يُوَجّه إلا لله.


والله لا جوع ولا عطش ولا وجع ولا خسارة. كان على جسده أن يجاهد في مجالات شتى؛ كان أبًا وقائدًا وصديقًا وزوجًا. لكن بينما كان على جسده أن يجاهد في كل تلك الأماكن، كان قلبه في اتجاه واحد فقط: الله وحده. كما قال إبراهيم عليه السلام بشكل جميل:

ركز إبراهيم عليه السلام على أن يكون قلبه مع الله وحده بشكل كليّ حنيفاً. ستجد أن توجيه قلبك لله بشكل جزئي هو المعاناة. وتلك المعاناة تتناسب مع درجة الانصياع الجزئي. يخبرنا الله في القرآن: 

يا أيها الذين آمنوا، استسلموا لله بشكل تام [بكل قلبك] ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين.


هناك ألم في الخضوع والاستسلام لله بشكل جزئي. هناك ألم في عدم الدخول في الإسلام حيث السلام والأمان بشكل كامل. أنت لا تملك إلا قلباً واحداً. إذا سجدت بنصف قلبك بينما نصف قلبك الآخر منصرف عن الله إلى الدنيا ستشعر بالوجع والألم. دائما ما يكون هناك هذا الألم عندما تقوم تشتيت قلبك. ويستمر هذا الألم حتى تدير قلبك بالكامل في اتجاه واحد، حتى تدير قلبك كله نحو الله. عندنا يصبح هو الهدف الحقيقي الوحيد لمكادحتك. ويصفو لك كل شئ.


كما نقول 17 مرة على الأقل كل يوم: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (1: 5)". الله هو الغاية الحقيقية الوحيدة، وهو الوسيلة الحقيقية الوحيدة لتحقيق الوصول إليه. لا أحد يصل إلى الله بدون الله. لا حول ولا قوة إلا به.


من يوجه قلبه بالكامل إلى الله بهذه الطريقة يصل إلى الحرية الحقيقية. ولم يعد من الممكن أن يتضرر هذا الشخص من البشر ومن آلام التعلق بالبشر. لم تستطع النار أن تحرق النبي إبراهيم عليه السلام. لا يمكن أن تؤذي "نيران" البشر قلب من كانت وجهته الله. لا يمكن للحرائق المادية والجسدية والعاطفية والاجتماعية والنفسية أن تؤذي قلب هو الله وحده. خارجيًا، قد يبدو الشخص متضررًا، لكن في الواقع، مثل هذا الشخص لا يتعرض للأذى أبدًا. وحقيقة الحال ليست ضارة بل خير كما نعلم من كلام نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم:

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ. رواه مسلم.

وهذا فقط للمؤمن. هذا فقط لمن جعل قلبه بالكامل وفقط في اتجاه واحد. تذكر أن الله يقول:


استسلم بشكل كامل لله. الأمان الكامل مخصص فقط لأولئك الذين يدخلون كافة مستسلمين لله. لكن تذكر أن القلب ليس كيانًا ثابتًا. القلب سُمّيَ قلباً من كثرة تقلبه وتغيره. فإن هدفنا في الحياة هو الاستمرار في إعادة القلب إلى التركيز والعودة على الله. ونحن نلتمس عون الله باستمرار، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتضرع أكثر من أي شيء آخر: "يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك".


هذا التغيير المستمر هو التوبة والأوبة مجددا ومجددا ومجددا حتى نلتقي به. فقط من يتخلى عن هذه المعركة يفشل. فقط الشخص الذي - بسبب الرضا عن النفس أو اليأس - يتخلى عن المكادحة من أجل إعادة قلبه باستمرار إلى الله، يفشل في هذه الحياة وفي الحياة التالية. 


كلنا نريد الحب من عند الله ومن البشر. كلنا نركض نحو شيء ما. ومن المفارقات، أنه كلما ركضنا أكثر وراء المخلوقات، كلما ابتعدنا عنهم! بمجرد أن نتوقف عن الركض وراء المخلوقات، وبمجرد أن نبدأ في السعي نحو الله، تجري المخلوقات خلفنا. إنها معادلة بسيطة وواضحة. الله هو الودود. لذلك يأتي الحب من الله وليس من الناس. وكما قال أحد المؤلفين، تشارلز ف. هانيل: "لتكتسب الحب، املأ نفسك به حتى تصبح مغناطيسًا." عندما تملأ نفسك بمصدر الحب (الله الودود)، تصبح نقطة جذب للحب. علمنا الله هذا في الحديث القدسي الجميل: قال رسول اللهإن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: أن الله يحب فلان فأحبوه، ثم توضع له المحبة في الأرض.


كلنا يسعى ويبحث عن الحب. لكن القليل منا يسعى في الاتجاه الصحيح. لدينا نفس الهدف. لكن للوصول إلى هناك، يجب أن نتوقف. ونسأل أنفسنا ما إذا كنا نسعى نحو المصدر - أم مجرد انعكاس له.