منذ كنت على مقاعد الدراسة، كان الطموح عنواناً لحياتي. وليس أيُّ طموح، بل الطموح الجامح الذي لا يعرف حدود المستحيل. كنت في الثانوية، وليس في الابتدائية، حين كان طموحي أن أكون رائدة فضاءٍ، مثلاً! وكما فعلت مع ريادة الفضاء، كان عليّ أن اقصقص دائماً أطراف طموحاتي لتصبح على مقاس الواقع. بدأت عملية التقييف هذه حين تقدمت بطلب القبول للجامعة بتخصص الهندسة الكهربائية، وما فتئت تقارن طموحاتي بالواقع الذي نعيشه في منطقتنا العربية وتقلّص حجمها على امتعاضٍ شديدٍ مني، حتى حصل ما أوقف نزيف طموحاتي، أو هكذا ظننت!

في العام ألفين وتسعة، اتخذت قراراً بتغيير مجرى حياتي. فتقدمت بطلبٍ لدراسة الماجستير، لكن بتخصصٍ يندرج تحت الإنسانيات هذه المرة: الدراسات الدولية، وترافق ذلك مع جهودٍ حثيثةٍ للحصول على فرصة عملٍ مع الأمم المتحدة، تكللت بالنجاح فعلاً حين حصلت على وظيفةٍ في إحدى وكالاتها. وبدا أن الحياة قد بدأت فعلاً بتقطيع الخيوط التي تربط أجنحتي بالأرض: فقد حصلت على درجة الماجستير في الدراسات الدولية، وحصلت على وظيفةٍ في الأمم المتحدة، واكتمل المشهد حين تزوجت من رجلٍ متفهّمٍ داعمٍ محبّ، فلم أعد مرتبطةً بعائلةٍ كبيرةٍ راسخة الجذور حيث نبتت، بل أصبح لي رفيقٌ خفيفٌ سهل الحركة مثلي، ومستعدٌّ مثلي ليجوب الأرض بحثاً عن حُلُم!

تتبنى الكثير من الدول في منطقتنا العربية دعوى "تمكين المرأة"، ويتردد في مؤتمراتها الباذخة الكثير من الكلام عن المساواة في الأجور، وخلق جوٍّ من العدالة في توزيع الفرص، ودعم المرأة حتى تحقق لنفسها الاستقلال الماليّ. وفي حين ينظر الكثيرون إلى ما سبق كحبرٍ على ورق حين يتعلق الأمر بالواقع المحليّ، إلا أنّ الأمر كان مختلفاً تمامًا في الأمم المتحدة.

كان ما رأيته وعايشته في الأمم المتحدة كفيلاً بإثارة شهية أية امرأةٍ طموحةٍ تعشق الاجتهاد وتهوى النجاح. فيُذَيّل كلّ إعلانٍ لشاغرٍ قيادي بدعوةٍ مخصصةٍ "لتشجيع الزميلات من الإناث للتقدم للوظيفة". ولا تتباين الرواتب ولا الأجور ولا الامتيازات وفقاً لجنس المرء. لكنّ ما أثار دهشتي حقًّا هو نظرة هؤلاء القوم للأمومة! فعدا عن تغطية التأمين الصحي لأدقّ التفاصيل التي قد تصل إلى عددٍ معينٍ من جلسات "المساج" لراحةٍ إضافيةٍ للمرأة الحامل، وعدا عن إجازة الأمومة السخيّة وساعات الرضاعة التي ما فتئت تزداد سخاءً منذ انضممت إلى ذلك الفريق، فإنّ الأنظمة والتشريعات هناك تضمن إزاحة جميع العراقيل من أمام الأم حتى تنال حقها في مسارٍ مهنيٍّ احترافي؛ فيمنع منعًا باتًا استثناء الزميلة الحامل من أيّة فرصةٍ فيما قد يبدو أنه بسبب حملها، ويغدو توظيف الزميلة الكفؤة في موقعٍ أفضل وهي في أواخر حملها وقد أوشكت على الدخول في إجازة أمومتها أمرًا عاديًا، ويبدو فتح باب المنافسة أمام أية زميلةٍ للحصول على أية ترقية وهي لا تزال في إجازة أمومتها ممارسةً طبيعيةً تمامًا لا تلقي بالًا لحقيقة أن هذه الزميلة، في حال تم اختيارها لكفاءتها، ستتأخر في الالتحاق بمنصبها الجديد حتى انتهاء إجازة أمومتها.

لقد بدا الأمرُ وكأنّما كنت أعمل في المكان الحلم!

حلمًا ورديًا لذيذًا بدأت أعيش تفاصيله حين علمت بحملي بطفلي الأول، ونافست على شاغر بفئةٍ أعلى من فئتي الوظيفية حينها وأنا لا زلت في إجازة أمومتي وحصلت عليها، وكان ذلك يعني أن ينتظر القسم عودتي من إجازة الأمومة حتى أباشر مهامي الجديدة. وحصلت على ترقيتي التالية بعد ما يقارب العام، لأصبح مسؤولةً عن فريقٍ مكوّنٍ من ستة عشر موظفًا وموظفة.

أصبحت في مركزٍ قيادي، وبدأت بدخول مجال المنافسة على الشواغر التي تندرج تحت العمل الدولي الاحترافي. كنت أسير بخطىً ثابتةٍ نحو حلمي في احتراف هذا المجال والحصول على فرصةٍ للعمل في المقر الرئيسي، في جنيف السويسرية. إلا أنني كنت ممزّقةً فيما بين طموحي المهني، وحاجة طفلي لوجودي إلى جانبه. حتى ذلك الوقت، كانت تلك معركتي الوحيدة. وكانت وظيفتي تنتصر دائمًا لأنها، عدا عن كونها طريقًا غنيًا برافدات الطموح، كانت تساهم بشكلٍ كبيرٍ في صناعة جوٍّ من الأمان المالي يجعل حياة طفلي أفضل، ويعده باسمٍ لوالدته في الفضاء العام وشبكةٍ من العلاقات تجنبه مشقة البدء "من الصفر" مستقبلاً. وكان إصرار الأخصائيين بأنّ عمل الأمّ لا يؤثر نفسيًا على أبنائها وعلى إمكانية تعويض الأم للوقت الذي تغيبه خارج المنزل بقضاء "وقتٍ نوعيّ مهما كان صغيراً" مع طفلها عاملاً إضافياً يحسم المعركة –المحسومة مسبقًا- حتى ولو مؤقتًا، لصالح عملي!

لكنّ كل شيءٍ يتغير في هذا العالم الذي سِمَتُه الحركة والتغيير. وقد كانت بداية التغير في ميزان القوى الفكريّ ذاك حين انجبت طفلي الثاني.

بقدوم طفلي الثاني إلى العالم، أصبحت جميع متطلبات الأمومة مضروبةً في اثنين. وكانت المحافظة على التوازن بين كل المتطلبات التي ترزح على كاهلي ممكنةً بشيءٍ من بذل الجهد، إلا شيئًا واحدًا: معركة العدوى والإجازات! فبذهاب طفلٍ إلى الروضة والآخر إلى دار الحضانة، كان كل صباحٍ يأتي يحمل معه احتمالية ارتفاعٍ في درجة حرارة أحد الطفلين ينذر بعدوىً ما، ستستدعي مكوثي معه في المنزل حتى تنقضي ثمانٍ وأربعون ساعةً بلا حمّى. ولم يكن الأمر هذه المرة مشابهًا لما كان عليه بوجود طفلٍ واحد، فكانت كل عدوى تصيب أحدهما تعني أنه بمجرّد أن يتماثل للشفاء فستكون العدوى قد أخذت وقتها في الانتقال إلى الآخر وقضاء فترة الحضانة، وما إن أعود لعملي يومًا أو يومين حتى تظهر الأعراض مرّةً أخرى على الأخ الآخر، ونضطر لإعادة نفس الدائرة مرةً أخرى!

وبحكم القوانين الناظمة لجميع مواقع العمل، فإنّ تغيّب الأمّ في ظروفٍ كهذه يكون على حساب إجازاتها السنوية. وفجأةً، وبلا سابق إنذار، وجدت رصيد إجازاتي السنوية يتآكل بسرعةٍ مدهشةٍ كما لم يحدث في حياتي! وللمرة الأولى في تاريخي المهني وجدت نفسي في موقفٍ كنت ألوم عليه زملائي بلا رحمة: أصبحت اضطر للمضيّ قدمًا بلا رصيد إجازاتٍ في بعض الأشهر في انتظار انتهاء الشهر حتى أحصل على رصيده من الإجازات، وبدأت أستهلك اجازاتي مسبقًا!

هكذا كان الأمر في العام الأول من عمر طفلي الثاني: أنواع مختلفة من العدوى تتنقّل ببطءٍ وأبّهةٍ بين طفليّ، والكثير من الإجازات السنوية للعناية بهما، ولا أستطيع أن أنكر أنّ غيابي المتكرر عن المكتب قد أدّى إلى تراكم المهمات وتأخري في تنفيذها، ورغم أنّ الإدارات في هذه المنظمات تبذل مجهودًا جبارًا لتظهر ملتزمةً بحقوق الموظفين، غير متذمّرةٍ من كثرة غيابهم ومتجاهلةً لحقيقة الكم الذي تعرقل فيه هكذا سيدات (مثلي!) سير أعمال الفريق بسبب غيابهم المتكرر غير المرتّب مسبقًاـ إلا أنني لم أكن بحاجةٍ إلى من يخبرني بالشكل الحقيقي الذي أصبح عليه وجودي في منصبي!

وبسبب هذا الأمر، وفي غياب حلولٍ تحقق توازنًا حقيقيًا بين وفائي لمتطلبات أمومتي وضمان ديمومة العمل في حال غيابي، ونظرًا لأنني لم أعد راضيةً عن أدائي في موقع العمل دون أن أملك ما يمكنني من إعادة الأمور إلى نصابها، لم يعد وجودي في العمل يستحق التضحية بحاجة طفليّ لوجودي إلى جانبهما، فقدمت استقالتي، وتركت عملي. كان ذلك في يناير من العام 2020.

ولم يمضِ على استقالتي شهران حتى أغلق العالم أبوابه على نفسه بسبب فايروس كورونا المستجد، الذي حمل معه من الأسئلة الناقدة ما حمل. ورأيت الوجه الآخر الناقص لـ"تمكين المرأة" عندما هدأت زوبعة المرض وعادت القطاعات إلى أعمالها، وفكرت بالعودة إلى عملي، بما أن صغيري كبر قليلًا، وبدا واضحًا عليه أنه يبحث عن شيءٍ من الاستقلالية. وجدت نفسي وجهًا لوجهٍ مع وضعٍ جديدٍ وغريبٍ استغربت أن لم يثرهُ أحدٌ في أيّ حديثٍ مسبقًا: فلديّ طفلٌ في السابعة، يدرس في الصف الثاني الأساسيّ. أكبر من أن تستقبله أيّ دار حضانة. تمتد ساعات دوام مدرسته حتى الثانية والنصف، فيما سأعمل أنا حتى الرابعة، وسأحتاج نصف ساعةٍ على الأقل حتى أصله من مكان عملي. وأمامه خلال العام عطلتان طويلتان: شهرٌ في الشتاء بين الفصلين الدراسيين، وشهران ونصفٌ كعطلةٍ صيفية. وباعتبار أن لا الوضع الصحي ولا العائلي يسمح بذهابه إلى منزل جديه على المدى الطويل، وجدتني أقف حائرةً وأتساءل: ماذا تفعل الأمهات العاملات الأخريات؟ أين يذهبن بأطفالهنّ خلال ساعات العمل؟

وإذا أردنا أن ننظر في الإجابات المختلفة، فسنجدها تنحصر في بعض الخيارات: فمنهنّ من تترك طفلاً بعمر طفلي لدى أحد جدوده أو أحد أقاربه، ومنهنّ من تتركه يعود من المدرسة ليدخل المنزل وحيداً ويبقى وحيداً إلى أن يعود أحد والديه إلى البيت، ومنهنّ من توظف خادمةً خصيصاً حتى تبقى مع الأطفال في غيابها. ومن حالفها الحظ لتدير عملها الخاص فهي تصطحب أطفالها معها. أمّا من ناحية حلٍّ مؤسسيٍّ مستدامٍ يضمن إيجاد مكانٍ آمنٍ يبقى فيه الطفل حتى انتهاء ساعات عمل الأم؟! ليس هناك شيءٌ كهذا! ليس لهذه الفئة العمرية! وعلى ذلك، ولأنني لن أعرض طفلي لخطر وجوده في المنزل وحيداً، ولن أتركه لتنفرد به خادمةٌ لا أعرف عنها ولا عن ماضيها شيئاً ولا أضمن أفكارها ولا مشاعرها ولا نواياها، وبحكم أنّني لا أدير عملي الخاص، فقد وضعت فكرة العودة النظامية إلى العمل جانبًا حتى أجلٍ غير مسمى!

إذن، فإننا حين ننظر إلى مفهوم "تمكين المرأة" في مجتمعاتنا العربية، فسنجد أنه –بالنسبة للأمهات العاملات- ليس سوى فخ! فخٌّ يضمن –في أحسن حالاته- إزالة العراقيل من أمام الأم العاملة لارتقاء سلم الوظيفة وصولًا إلى المواقع القيادية، ثم يغض الطرف عن واقعها ويتركها لتتدبر أمرها دون أية ضمانات لاستمرارية بقاءها في موقعها. لا أستطيع أن أنكر أنّ العدالة التي لمستها في المنظمات الدولية تفتح الطريق فعلاً أمام المرأة الطموحة الكفؤة لتنطلق في مسارٍ مهنيٍّ مرموقٍ يعطيها بقدر ما تجتهد وتعطيه، لكنها لا تعطيها حقّها كاملًا، حين لا تأخذ بعين الاعتبار حاجتها الفطرية الطبيعية لتكون أمًّا، والتي تختلف متطلباتها كثيرًا عن حاجة الرجل ليكون أبًا. المنظمات الدولية، أماكن العمل، التشريعات الحكومية، المنظومة المجتمعية، كلها تتفاوت في مقدار تبنيها لمبدأ "تمكين المرأة" وتمكينها من الوصول إلى الوظائف القيادية وتحقيق الاستقلال المادي، لكنها تشترك جميعاً في كون أيٍّ منها لا يضمن تشريعاتٍ أو وسائل لبقائها فيها واستمرارها.

بالنظر إلى كلّ ذلك، أجد تساؤلي مبررًا حين أفكر: هل كل ما سبق من حديثٍ عن "تمكين المرأة" يهدف حقًا إلى تمكين المرأة؟ أم إلى تمكين سوق العمل عن طريق ضمان اصطياد النساء الكفؤات وابتلاعهنّ في ماكينة الإنتاج والاستهلاك السلعي والخدمي –بل والمفاهيميّ أيضًا- بحيث يصبح صعبًا عليهنّ الفكاك منها؟