وقال ربكم ادعوني استجب لكم ٥

لم يكن تأكيد رب العزة قبوله للدعاء هباء، وحاشاه تعالى أن يفعل مثل ذلك، فكان وعد الله بالقبول (بأكثر من شكل لا بطريقة واحدة)، وكان الحث على الدعاء في كل الأحوال، خاصة في حالة الضرورة والحاجة، حينها يكون تعلق الغريق بقشة، فما الحال لو كان يضمن جواب دعائه في هذا الظرف شديد القسوة؛ ﴿أَمَّن يُجيبُ المُضطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفاءَ الأَرضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾ [النمل: ٦٢]

حتى أن الإنسان المضطر نفسه هو الذي يخلف الوعد وينقض العهد ويكذب القسم، يسأل ربه ان يعطيه ما يحلم به، فيجيب ربه دعوته، ثم ترى المسكين ينكث العهد ولا ينفذه تحت أي عذر؛ ﴿هُوَ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنها زَوجَها لِيَسكُنَ إِلَيها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَت حَملًا خَفيفًا فَمَرَّت بِهِ فَلَمّا أَثقَلَت دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِن آتَيتَنا صالِحًا لَنَكونَنَّ مِنَ الشّاكِرينَ۝فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمّا يُشرِكونَ﴾ [الأعراف: ١٨٩-١٩٠] وفي مشهد آخر ﴿وَإِذا غَشِيَهُم مَوجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخلِصينَ لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُم إِلَى البَرِّ فَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَما يَجحَدُ بِآياتِنا إِلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]

المنظومة جميلة رائعة لو أكملها الإنسان، فربه يحقق المراد، لكن المرء نفسه هو الذي يخلد إلى الأرض ويتبع هواه ويرضى بالدنية من الأمر، بدلا من السمو نحو العلا، حيث لا عذر له، ها هو ربه يجيب كل ما يسأله إياه، لكنه لا يشكر تلك النعم ببشريته ونقصه وأصله الأرضي الذي يحن إليه بضعفه وهوانه وذلته.