خلال أغلب النقاشات التي تخص جانبا من الجوانب الحياتية (الاجتماعية أو الدراسية)، يمكن أن نلاحظ عموما وجود فئتين متعارضتين من الآراء: فئة سأسميها "بالمتفائلين" وفئة "المُتعَثِّرين" (أو "المتشائمين"). وإذا كانت تجارب "المُتفائلين" تَلقَى استحسانا من طرف عدد كبير من الناس، فإنه في الضفة الأخرى حيث تقبَعُ الفئة الثانية تُقابلُ بقليل من الترحيب وكثير من الاستهجان..

فلنطرح السؤال التالي: هل نستفيد من تجارب الناجحين فقط؟ أم أن الأكثر إفادة هي التجارب "المُتعثرَة"؟ عندما نقرأ أو نسمع عن التجارب الناجحة لا شك في أننا نتمنى أن نكون مثلها ونشعرُ بحماسة كبيرة ورغبة متجددة في العمل، لكننا لا نستطيع القيام "بنسخ/لصق" (Copy/paste) تلك التجارب وغالبا تبقى مجرد متمنيات.. وفي المقابل عندما نصادف تجارب "مُتعثرَة" نستطيع ببساطة تجنب الأخطاء التي وقع فيها أصحابها أو الانتباه في الخطوات القادمة لعدم تكرارها.. في ميدان التدريس مثلا، هناك بيداغوجية بأكملها تقوم على استغلال أخطاء التلاميذ لبناء تعلمات جديدة... فلنُعْطِ مثالا للتوضيح... عندما يُشارك أحدهم خبر نشره لمقالة في مجلة معترف بها وذات معامل تأثير عالٍ نفرح من أجله ونتمنى أن نكون مثله لكن عندما ننظر للنتائج التي حصلنا عليها من خلال البحث الخاص بنا إلى جانب الصعوبات الأخرى يبقى النشر في مجلة كتلك مجرّدَ حلم جميل... في المقابل، عندما يشارك شخص آخر قصته عن الوقوع في فخ مجلة "وهمية" فإننا نبذل جهدا أكبر في تجنب مثل هذه المشاكل... عُودوا الآن إلى السؤال الذي طرحته في بداية الفقرة وأجيبوا عنه...

في الميدان الدراسي مثلا، إن المُتتبِّعَ للتجارب "المُتفائلة" سيلاحظ بأن أغلب أصحابِها هم منْ أكملوا دراستهم في الخارج (لا أستثني الحالات الأخرى) أو على الأقل حَظَوا بتكوينات في الخارج.. بينما نجد غالبا أنَّ "المُتعَثِّرين" يتابعون دراستهم في بلدنا العزيز ويكتفون بلَعْنِ الوضعية من خلال التعاليق على منشورات "المُتفائلين" على وسائل "اللاتواصل الاجتماعي"، من دون أن يحاول هؤلاء التجاوُب مع "اللاعنين" للوضعية حتى بعبارات التعاطف أو إبداء الاستعداد في تقديم المساعدة...

إن الإنسان لا يختار الفئة التي سينتمي إليها، بل يجد نفسه إما ضمن الأولى أو غارقا في غياهب الثانية... طبعا هناك بعض الاستثناءات... لكن وحتى بالنسبة لهاته الاستثناءات فسنجد أن معظمها انطلقت من قلب المعاناة واستطاعت الخروج منها بفضل الله، لكن هل يستطيع الجميعُ التغلب على ظروفه أو تغيير حياته؟ دعونا من أصحاب تكوينات "التنمية البشرية" (مع احتراماتي للجميع) الذين يُتحِفون أسماعنا بنصائح يصعبُ على عقل الشخص "البائس" استيعابها من قبيل "استيقظ في الصباح وقُل الحياة جميلة، الدنيا جميلة" وهو يعيش في حرب نفسية أكثر منها متعلقة بالمشكل الاجتماعي المطروح...

إن "المتشائمين" هم أكثر العناصر التي تحتاج لفضاء للتعبير عن مشاكلها.. وإن فعلت هذا، للأسف، يخرج لهم بعض "المُتفائلين" ليستنكروا عليهم "حقهم" في التعبير عن عدم رضاهم بالوضعية.. لذا، نجدهم يكتفون بالتعليق، ويعزفون عن مشاركة مشاكلهم تجنبا للنصائح الجاهزة التي لا تُسمِنُهم ولا تغنيهم من جوع... إن القمع الذي نمارسه على بعضنا (عن قصد أو غير قصد) يزيد من مُعاناتهم وقد يدفعُ بهم للتقوقع مما يحرِمُ الآخرين من التعرف على صعوبات من سبقهم فتتكرر المشاكل ذاتها ما تكررتِ الدّهورُ...

يا معشر القارئين، خصوصا من أسميتكم "بالمتشائمين" (وقد أكون مُخطئة في اختيار المصطلح المناسب ليعكس وضعيتكم)، فلنحاول ما استطعنا "التقبّل" لأن مشكلتنا الأساسية هي افتقارُنا لتقبُّل الآخر كما هو بإيجابياته وسلبياته... ولْنَدَعِ الأحكام جانبا.. ولْتحرصوا على تقاسم همومكم كلما سمحت لكم الفرصة لعل الله يجعل لكم مخرجا من حيث لا تحتسبون ويجمعكم بأشخاص يساعدونكم.. رغم أن هذا الأمر نادر إلا أنه ممكن، وعندما يحدث فستجدون أشخاصا رائعين مستعدين للمساعدة بكل ما أوتُوا من علم.. فلا تترددوا...

ويا أصحاب الفخامة من "المُتفائلين" (زادكم الله من نعمه) لا تكونوا أنتم و "الزمن" على "المتشائمين" لأنهم لا يتشاءمون من فراغ، بل معظمنا يعرف عز المعرفة أشكال وألوان الصعوبات التي تعترض الواحد منا... ليس مطلوبا منكم المستحيل، وإنما كونوا آذانا صاغية لهم فقط، لأن الكثير منهم يرتاح بمجرد تقاسم مشاكله معكم، ويفرح ببعض "اللايكات" التي تضغطونها تحت منشوراته لأنها لا تعني له "أعجبني" في معناها الحقيقي، بقدر ما تعني "قرأتُ" أو "تفهَّمتُ" أو "مهتمة" بمشكلتك...