ليس شيقا ذالك الذي قادني الى عشق فضاء الأنوثة ، فقد عرفت ذلك الأفق الرحب الحميم الأليف قبل أن أعرف الشرق اسماً ، وتعلقت به يوم لم أكن أملك اللغة والمعرفة لأعطي وصحة وكس. ، والآن ، أجابتها سنة تحثها وتسحبني معها مسرعة ، أتأمل هذه الفترة بين عيوشين. الأولى عيوش حسن أمي ، والثانية عائشة محيي الدين ابنتي الصغرى ، فأجدني أدين بأجمل ما في وأفضل إيجابياته -على قلتها - لفضاء الأنوثة.

وأحار دائماً كماارت الالباب والأقلام في توصيف ذالك الفضاء الذي يعلمك أن الآخرين دون تنسى نفسك وتقلم أظافر أنانيتك وجود وطي ، ثم يدغدغ جبورت الثقة ، لكنه وبذكاء شديد يلجمك قبل أن تتفرعن ، ويعطيك بيسراه أبجدية والتعاطف ، وباليمني قاموس التسامح ، فتشب كالزبق معطراً وصداحاً ، وتثب كالفراشات وعينك أثناء جماليات الانتقال إلى زهرة أخرى تقودك دون أن تدري إلى أسرار النحل ، حيث تتحول رحلة اكتشاف إلى عسل مصفَّى.

 في ذالك الفضاء الذي عشقته طفلا وزاد تعلقي به كهلا حاولت ان ارد الجميل للنساء الرائعات بوضع قلمي في خدمة معركتهن النبيلة ضد القبح والتوحش الذي بفرِّخ ظلماً وعنفاً وعنصرية.

 وقبل هذا الهدف المعلن كانت اوديسة النساء تدهشني ورحلتهن الطويلة من الحرملك إلى الحرية تثيرني بطولها، وتراكم فصولها، وانتقال راياتها من جيل الى اخر بصمت وسرية وإصرار، فأقرأ فصول تلك الأوديسة التاريخية مجزأة، وأتفرج على فصولها المعاصرة بعين العاشق والمشجع، وفي كل مرة أتعجب كيف استطاعت المرأة أن تحافظ على كيونتها كنبع خصب للجمال وسط كل ذلك القمع والكبت وعدم المساواة المتجذرة في القوانين والأخلاق والتقاليد الاجتماعية الجائرة.

وما بين الحرملك، الذي لم تغلق قاعاته بعد، والحرية التي تلوح وتغيب كسراب مراوغ، كان الحب وسيظل أقوى أسلحة المرأة ونقطة ضعفها في الوقت ذاته، فسواء كان شبقاً أو أخوياً أو أمومياً، فإنه يضعفها ويلهيها في أوقات كثيرة عن نفسها، لكنها -وهنا روعة فضاء الأنوثة- تحيل الضعف الى قوة، وتراهن دائماً على انتصار الحب لقناعتها الدفينة بأنه مركز الكون، ويخضور التجدد، والكيمياء السحرية التي تدخل في تركيب جميع معادلات الوجود. لقد كان الحب والحرية والحنان ثالوث النساء المقدس منذ عصر الكهف الى عصر الفضاء، ورغم قسوة الحرملك وتعدد أشكاله واختلاف سجن بنائيه ومنظريه وسجانيه، ظلت المرأة تغدق الحب، وتفيض بالحنان وتقاتل في سبيل التحرر، والتقدم، وتجميل وجه الحياة.

  وقد حاولت ان أرصد هذه الأوديسة النسائية وتجلياتها في الأدب والسياسة والإعلام والتاريخ والفكر، وأن أتتبعها من خلال الشخصيات التي ساهمت تراثاً ومعاصرة ًًفي تقديم إضافات ثرية ومميزة لتدعيم أعمدة فضاء الأنوثة، فوقفت عند كتب وكاتبات، وروايات، وروائيات، وترضت لأشهر معارك النسوية العربية والدولية دون نسيان الرموز الكبرى وإنجاتها، وتجليات الأنوثة الأسطورية والواقعية في المخيلة والفنون.

  وكان النسوية العربية -على ضآلة منجزاتها على ما عداها في المناطق الأخرى - لكن ذلك لم يحصل كما تمنيت لأن عقبات تقدم النساء في بلادنا كثيرة، لكن رغم العثرات والمثبطات والعوائق يظل الاحتفاء بالمرأة العربية مبرراً دون أن تعني ذلك الموافقة على فصل المسارات بين تحررها وتحرر الرجل العربي الذي يخضع مثلها للتعسف والاستبداد في مجتمعات تضن بالحرية على الجنسين.

  إن الحفاوة النسبية بالنسوية العربية لا تعني الوقوع في مطب التملق المطلق والمجاني للنساء العربيات، فالذين أسرفوا في الاحتفاء بالكتابات النسائية وصلوا، كما قلنا في أحد فصول هذا الكتاب، الى نتيجة تشبه الى حد ما نتائج الذين منعوا النساء من التنفس. ففي الحالتين جرى تجريد المرأة من إنسانيتها، وتضخمت سلبياتها أو إيجابياتها لإخراجها من شرطها الإنساني الذي يقتضي النظر إليها دون تنميط وبأسلوب مبرأ من القمع والتزلف، ويفترض تأسيساً على هذه القاعدة التي تؤنسن الأنثى ألا ننسى حين تشبه النساء بالورد بأن الجزء الأكبر من تمييز الورد يأتي من الجدل الشوك والأريج .

  ولعله ليس من قبيل المغالاة أن يقال إن انثى مصباح الكون، ...