يقول المثل العربي "الحيطان لها آذان".

في العقود التي سبقت مقدم التكنولوجيا الحديثة أو بالأحرى وسائل التواصل الاجتماعي كانت أحاديث الناس هي جرائد ومجلات بعضهم البعض يعرفون منها كل شيء يحدث حولهم من أحوال الناس وأفعالهم في حياتهم اليومية، ولكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي تغير كل شيء وأصبح الجاسوس بين أيدينا بل نحبه ونجلس معه أكثر الوقت في بيوتنا.

دخلت وسائل التواصل الاجتماعي بإرادتنا الكاملة دون مقاومة وأصبح البث الحي أو المرئيات المصورة في منازلنا هي صاحبة الكلمة في تلك المنصات بل أصبحت جزءا رئيسيا في صنع "Trend" مثير للاهتمام والتعاطف أو مثير للجدل أو مثير للشفقة وهذا في حد ذاته غريب على مجتمعنا العربي والإسلامي.

دون تدخل منك تعرف ما يحدث لجيرانك من أزمات أو مشكلات من خلال البوح بها على صفحاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبح الواجب المجتمعي من تعبير عن حزن عن فقدان شخص أو فرح لخطبة أو زفاف عروسين أو حب لأصدقائك أو غضب من موقف معين حدث لك او للآخرين يقضى من خلال التعليق على منشورات الناس أو زر المشاركة.

أنا لم أقل أنه يوجد في بيوتنا جاسوس عبثا، بل أنت عندما توافق على شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية لتلك المنصات، هذا يكون عقد ضمني بينك وبين المنصة بإتاحة استخدام المنصة كل شيء متعلق بهاتفك الكاميرا والصور والموقع، وأنت بذلك تدخل الجاسوس بيتك بكل محبة وترحيب وهذا يظهر جليا في مشكلات انتهاك الخصوصية التي يتعرض لها الكثير من المستخدمين بسبب هذا العقد المبرم.

في الماضي كان يقال {الحيطان لها آذان} وهذا صحيح ولكن حاليا أصبحت بوسيلة مختلفة وهي الهاتف المحمول أو الكاميرا أو منشور على Facebook أو صورة على Instagram، ولهذا أصبحت أكثر البيوت على الهواء مباشرة دون استخدام برامج للتجسس أو برامج اختراق فقط يكفيك حساب على Facebook أو Twitter أو Instagram مثلا وتعرف كل شيء عن ما تريد معرفته عن قرب.

بالطبع لتلك الوسائل الافتراضية ميزات جمة ومفيدة في كثيرة من الأحيان ولكنها جعلتنا نفشي أسرار وخفايا ما يحدث في المنازل والبيوت وأصبح الأهل من أب وأم وإخوة معرضون للسخرية من جانب ابن أو أخ أو أخت أو بنت أو زوج أو زوجة وهذا ينافي مبادئ التربية وهذا كله من أجل بعض الاعجابات والتعليقات وزيادة في عدد متابعين.

أيها الناس {الكل راع وكلكم مسؤول عن رعيته} فلا بدّ أن تعيدوا حساباتكم بشأن نشر يومياتكم الشخصية على تلك المنصات أو على الأقل اكتفوا بالمواقف الطيبة ولا تجعلوا الناس تعرف ما يحدث من سوء وشر الدنيا لكم وكما يقول الشاعر: -

لا تشكُ للناسِ جرحًا أنتَ صاحبهُ

لا يؤلمُ الجرحَ إلا منْ به ألمُ

شكواكَ للناسِ منقصةٌ. ومن

من الناسِ صاحٍ ما بهِ سقمُ

فالهمُ كالسيلِ والأمراضُ زاخرةٌ

حمرُ الدلائلِ مهما أهلها كتمُ

فان شكوتَ لمنْ طابَ الزمانُ لهُ

عيناكَ تَغلي ومنْ تشكو لهُ صنمُ