شعرتُ بالقلق والتوتر عندما عزمتُ النية على كتابة رؤية نقديّة عنّ رواية "أوراق شمعون المصري"، للروائي الدكتور: أسامة عبدالرؤوفالشاذلي؛لأنني في حقيقة الأمر أمام عمل استثنائي من حيّث عذوبة اللغة، ودقة التصوير التخيلي، بل ودقة التخيّل التاريخي في سردالأحداث، وحبكها بطريقة تُثير المشاعر في نفس القارئ؛ لتجعله يتعايش مع كل شخصية من شخصيات الرواية على حِدَة، فنحن أمام عملٍاستغرق سبع سنوات في الكتابة، أي نحن أمام عملٍ ضخمٍ؛لذلك سأحاول جاهدة قطف وردة من كل كتاب داخل الراوية؛ لأنها تحتوي على أربعة كُتُّب منفصلة الرحلة من حيث المكان؛لتعود للمكان الأولي بنهاية الرواية، لكنها مُتصلة السرد من حيث الزمان والتيه.

عندما انتهيتُ من قراءة الرواية التي تُعدُّ العمل الروائي الأول لكاتبها، ساءلت نفسي سؤالًا محددًا:ماذا فعلت بنا الذكريات؟ فما وجدتُ إجابة تشفي الوجع القابع في صميمِ الروح، أدركت بعد الانتهاء من "عالم شمعون العبراني"، المُلقب بـ: شمعون المصريّ الذي عشتُ فيه، أن العمرلحظة، وأن الذكريات التي مضت لم ولن تعود مرة أخرى، ربمّا تتجسد في لحنِ موسيقي أخَّاذ، أو في قصيدة يترنم بها مطربٌ أعشق صوته،مثل: كاظم الساهر،أو ربما يمرّ الطيف كضيف ليجالسني ساعات معدودات؛كي يستفز الحنين إلى الماضي،الذي حاولت مرارًا وتكرارًا ردمَ الثرى عليه، لكن عاصفة الشوق أقوى من نفسي على نفسي!استحضرتْ تلك الرواية ذكريات لها مكانة وسمو داخل قلبي الغائرفي قفصي الصدري، هي مرحلة الليسانس بكلية الآداب جامعة عين شمس، وها أنا في مرحلة الدكتوراه أعود سبع سنوات للوراء، نفس المدةالتي وضع فيها الروائي مسودة الرواية، سبع سنوات استطاعت رواية استحضارها في جلسة استغرقت أسبوعًا، تذكرتُ فيها مادة الشعرالجاهلي، ومادة الفكر الإسلامي، ومادة الأدب الجاهلي، ومادة مسير التفسير، ومادةأصول التشريع، ومادة الأدب المقارن، ومعهم مدرجالجامعة؛ حيث الإنصات والاستماع لأساتذتي بكُلِّ شغفٍ وحُبٍّ،تذكرتُ الطالبة التي كانت تدون محاضراتها بنهم لكل معلومة؛وذلك لتناول الرواية كل ماذكرتُ من خلال قصة خروج بنى إسرائيل من مصر إلى برية سين؛بحثًا عن الأرض المقدسة؛لتبدأ القصة ورحلة السرد التينصاحب فيها الراوي العليم،وهو المسرودة على لسانه رحلة أخرى "رحلة التيه"، ذلك العقاب المكتوب على بني إسرائيل.

تستهل الرواية في صفحتها الأولى-بداية- مدخل الكتاب الأولي الآية رقم: (26) من سورة المائدة، وسفر العدد:14، وما أُدركه من حيث المعنى والفهم في قول الله تعالى:{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(26)}، وجاءت الآية فيتفسير الإمام الطبري لها على ماقاله آخرون: بل الناصب لِـ" الأربعين"،" يتيهون في الأرض". قالوا: ومعنى الكلام: قال: فإنَّها محرمة عليهم أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنة. قالوا: ولم يدخُل مدينة الجبَّارين، أي مدينة العماليق المذكورة في الرواية، ورحلة النقباء الاثنا عشر،التي كان يجب على بني إسرائيل محاربتهم، كما أن اسم العماليق قد أطلق على قبائل قديمة انقرضت، وحاولت البحث كثيرًا عن ذكرهم في كتب التفاسير، لكني لم أجد شيئًا واضحًا استدل من خلاله على تاريخ العماليق أو ذكرهم؛لذلك أخذني الظن أنها قصة أسطورية، ذُكرت لإثارةالرعب في النفوس، خصوصًا أن الكثير من الأخبار في تلك الحقبة الزمنية تمتزج بالخيال أو ما يطلق عليه الأساطير،وهي الحكايات التيتتضمن اللامعقولية في ذكر الحكيّ، والعجائبية لإثارة الذهن، وأغلب ظني أنها تشبه قصة يأجوج ومأجوج. 

وآثرتُ أن أذكر التفاسير لأمرين، الأول: وقد ذكرته من خلال الآية الكريمة، وهو وصف المعنى الساقط على بني إسرائيل؛بأنهم قوم فاسقونعلى أمر ربهم,وفي حقيقة الأمر أن قلم الشاذلي لم يحد للحظة عن الدقة الوصفيّة من خلال الحكايات المذكورة، إِمَّا من خلال قصة تصف حال شخص منهم؛ مثل: السامري، الذى لقبه بالشامري،وصنعه للعجل الذهبي،أو بنخاس،وقصة أصحاب السبت، وخروجهم على أمر ربهم عندما انتقلوا إلى عصيون جابر، وتحايلهم على آيات الله، وذلك كما جاء في قول الله تعالى في سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْفِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65)}.هنا يظهر سحر القلم الذي نسج به الشاذلي قصة "بنخاس وأولاده" وعصيانهم أمر ربهم،والقارئ في حالة من التوهان مع خياله مسافرًا داخل عالم الرواية، ومع تطور الأحداث، ومع مايدونه "شمعون"، ومدى تأثره بــ"بنخاس"،عندما قال لــ "عامير" أن يكف عن ضرب أخيه الذي تحول أثر غضب الله عليه إلى قرد: "...ولم نسمع في غمرة حماسنا صوت أبيه (بنخاس)يأتي من الداخل في وهن وحزن وهويقول: كف عن ضربهم يا(عامير)، فوالله إني لأجد في أحدهم وجه أخيك (راحوم)!".

يمكننا أن نستشف أن الكتّاب الأول كان يوضح "زمن التيه"، وبداية خروج موسى، وانشقاق البحر، وهلاك فرعون وجنوده عندما قرر أن يلحق ببني إسرائيل أثناء خروجهم من مصر، والقارئ يسير منصتًا مع الراوي، ومع الأحداث التي أدت إلى التيه، فخلال القراءة لن يخفى على القارئ مدى التماهي مع الشخصيات، والتعايش وسط كل سبط من الأسباط، وقصة كل عائلة,ولن يستطيع التغافل عن حب "زخارى" والنقمة مثله على قومه؛ بسبب أفعالهم، ولن يستطيع الصمود؛ليجد نفسه يجهش بالبكاء عليه عند وفاته بعدما تعلق به وبعائلته، بداية من زوجته المصرية رومانا، وزوجته الثانية سولاف، وأولاده شمعون وباتيا والغلام "رام"، الذي وقع عليه حد الزنا وهو الرجم حتّى الموت. وهنا يمكنني أن أوضح أن الأمر الثاني لذكر التفاسير هو توضيح النهاية مع نهاية الكتاب الأول ذكر "التيه"، أي الزمن وليس المعنى.وقبل الخوض في بعض تفاصيل الكتاب الثاني من داخل أغوار الرواية،لابد أن أُشيرإلى أنني آثرتُ مصطلح: "التخيّل التاريخي" على مصطلح: "الرواية التاريخية"، وأخص رواية: "أوراق شمعون المصري" بهذا الوصف التعريفي؛لأنني عندما أقول أنها رواية تاريخية دينية،فبذلك أكون قيدتُ المبدع بالالتزام بكُلّ تفاصيل الأحداث التاريخية، بل أضف إلى ذلك تقييدإطلاق العنان لخياله الإبداعي، وحقيقة الأمر أن الرواية بها تخيلات، وشخصيات متخيلة، وأسماء تم اختيارها للشخصيات كدال ومدلول وهو صلب التخيّل، بل وأماكن متخيلة، وإن ورددت أماكن تاريخية، مثل: "جبل نبو"، و"يثرب"، و"الحجر"،و"إدوم"، و"البحر الميت" عقاب قوم سدوم، ومع فضاء تلك الأماكن يأتي تخليق الشخصيات الخيالية المصاحبة للشخصيات الحقيقية، وكأن حضورها بديلٌ عن المونولوجات النفسية داخل العمل الإبداعي،فمن خلال تسليط الضوء على تلك الملحوظة يمكننا أن نقر أيضّا بأن الشاذلي قد أتقن دوره بوصفه مبدعًا حقيقيًا في عالم التخيّل التاريخي الديني؛ليجعلني أتذكر مع بداية الرحلة الثانية في الكتاب الثاني الذي يبدأ من الورقة الثالثة والعشرين إلى الورقة السابعةوالثلاثين كُلّ ما درسته خلال المرحلة الجامعية؛لأنه عند رحيل "شمعون" مع جيش "عفيرة بن إيتام"؛لمحاربة "بني عناق"؛ ظنًا أنهم بذلك سيخففون لعنات الربّ التي حلت على بني إسرائيل، كُتِبَ على "شمعون" التيه، لكنه الشر الذي يكمن داخله الخير. يمكننا أيضّا أن نطلق على تلك المرحلة التي ضَلّ فيها الطريق بالبرية مرحلة اكتشاف الذات لــ"شمعون"، وهنا ظهرت ثقافة الروائي أيضًا ومدى بحثه وإتقانه، ففيتيه الصحراء تعرف "شمعون" على شيخ الأعراب "عابر"،والأعراب هنا أعراب العرب في العصر الجاهلي،أي الذين شهدوا العصرالإسرائيلي، فخلال ذكر الأحداث التي مر بها "شمعون" وقومه لم يغض الروائي البصر عن حياة العرب، ولم يغفل عن ذكر مجالسهم، أي مجالس السّمَر، والأصل في السمر هو الليّل، وهناك من يعتبره ضوء القمر؛ والهدف من تلك المجالس هو اللهو والترويح عن النفس، أضف لذلك أنها تُعدُّ سمة من سمات العرب التي تميزت بها، وتلك المجالس خصصت لذكر أخبار الأقوام السالفة، أو ضرب الأمثال، أو الغناء، أوإلقاء الشعر، كُلّ هذه التمييزات من سمات العرب التي تعجب لها "شمعون" داخل الرواية؛ لأن قومه لم يعرفوا تلك الأمور، بل شهدها بعيدًاعنهم مع شيخ الأعراب"عابر".

وقد ذكرت المراد من الأعراب، فماذا عن دال "عابر"؟إن المدلول يعني العبور والسرعة أو الزوال، وكان اختيار الاسم الذي يرمز به الشاذلي لشيخ القبيلة موفقًا فيه؛ذلك لأنه يشير إلى كثرة الترحال عند العرب بحثًا عن الماء والكلأ،لكنى اختلفت مع نظرة الشيخ "نابت" عن التعلقبالمكان والترحال؛حيث قال لشمعون: "إن الحياة في الصحراء هي الفطرة، فالأصل في الحياة هو الحركة والتنقل من مكان إلى مكان،وحينما يُكثِر المرءُ من الترحال لا يتعلق قلبه بشيء، ويدرك أن الحياة في ذاتها رحلة تنتهي؛ لتبدأ رحلة أخرى في مكان آخر، أما السكون فهوأصل الموت، ولا ينبغي للمرء أن يسكن إلا للراحة بين رحلتين". وهذا يخالف تعلق العرب بالأماكن، بل واستهلال القصيدة بالبكاء على الأطلالوذكر الديار، حتى وإن غابوا عنها بحثًا عن الحياةوالخصب، فهذا ما استهله أمرؤ القيس في مطلع قصيده؛فالشعر ديوان العرب وتاريخهم.أمّا عن الحبّ، فهو ليس بغائبٍ عن العمل، بل هو شعلةُ التشويق في الكتاب الثاني بين"شمعون بن زخاري" و"عمرو بن دومة بن عابر"، فمن خلال الحب أدرك "شمعون" الفارق بين "التيه في الصحراء" و"العيش في الصحراء"، لكن التيه هنا فارقٌ: "... فشتان بين العيش في الصحراء! أتدري ما التيه ياشيخ(نابت)؟! إنه الحياة على أمل كاذب، أن تشعر بأنك كلما اقتربت ابتعدت، وكلما دنوت بنوت، أن يحدوك الأمل ثم تتجرع خيبته مرات ومرات، ذاك هو التيه، وتلك هي مرارته ياشيخ(نابت)".

أمّا الكتّاب الثالث أظن أنني عشتُ فيه حياة فوق حياتي، تعرفت فيه إلى شخصية "هوى"، الفتاة اليتيمة التي من خلالها أدركنا نظرةالأعراب إلى الفتاة اليتيمة؛ وذلك من خلال حوارها مع "شمعون"، واعترافها له بقصة شغفها بزعيم جرهم "عمرو بن الحارث الجرهمي"،ومخادنته لها، وكيف تختلف النظرة إلى الحب في حياة الصحراء،وهنا يقابل القارئ أفكارًا متعددة، حيث الثنائية الضديّة بين الأفكار؛مثل: حياة الفتاة الحرة وحياة اليتيمة، ومنها:العصبية للقبيلة والتناحر بين القبائل "قبيلة خزاعة" و"قبيلة جرهم"، وما إلى ذلك.

الأمر الثاني الذي أثار الإعجاب هو نظرة الاحترام والتقدير للمرأة، ففي حقيقة الأمر أن الشاذلي كاد أن يقدس المرأة في روايته: "أوراق شمعون"، حتى إن الحب بين "شمعون وأروى" لم يكن حبًّا شهوانيًا، بل كان عذريًا، لا تشوبه شائبة، حتى إنه ذكَّرني ببيت مجنون ليلي:

أراني إذا صليت يممت نحوها ***

بوجهي وأن كان المصلي ورائيًا

وفي النهاية، إن أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التي تُقدمها للقارئ والمجتمع والعالم، التي أظن أنها أرقى الرسائل التي يقدمهاالإبداع الأدبي.

_____________________