- خيبة بالويبة، عرضٌ بالمجَّان يا نايم.

جدَّاتنا الحَلْوَى، جدَّاتنا اللائي كأنَّ خليطًا سحريًا أذابَ قرطبةَ القديمةَ ووضعها كلَّها في زجاجةِ عطرٍ وبخَّها عليْنا، جدَّاتُنا البليغاتُ بالفطرة، هل كانت تقصدُ المعنى البلاغيَّ في"يانايم" وأن الحسناتِ وفرج ربِّنا -كماتسميه- يجري من فوق عيني وفوقَ ساعاتِ الليلة وسيَفْلِت؟ هل كنايتها عن الغفرانِ ومسامحةِ الربِ لنا أنه عرضٌ سماويٌ لا ينبغي تفويته مدروسة؟أم أنَّ جمالَ الجدَّاتِ ينتهجُ النظريةَ الكلاسيكية (البساطةُ تَنَفُّسُ الحلاوة)؟

- طيب قُمْ اقرأ لي شوية في المصحف وأعمل لك بليلة.

حسنًا! ها نحن ذا ننتقلُ للترغيب، المهارةُ الفطريةُ في عقدِ صفقاتِ الانبساطِ تجدُ مرتعَها دومًا هناك، في نبضِ جَدِّةٍ تعيشُ معك.

لله درُ كلُ هذا الانبساط!

إن في عائلاتنا القديمةِ زقزقةً مليحةً تقولُ للسعادةِ "استني شوية كمان، دول غلابة".. وحين يرتبطُ الأمرُ بالمتوارَثِ من عاداتٍ مرتبطةٍ بمناسباتٍ دينية؛فإنَّ الأمرَ يتحولُ لعرسٍ فيه التسبيحُ زغاريدُ تُشعِرُ كأنها "فرحتنا كلنا"، حتى أنني كنتُ أقعدُ ساعتها وأحرصُ ألا أهتزَ كي لا أُفسِدَ موكبَ "المزيكاتيةِ" الدائرَ صخبًا ومزاجًا في قلبي العَيِّل.

دَخْلَةُ رمضان،(هَلَّ هلالُكَ) وجدتي التي سابَتْنا دون أن توصيه علينا أن يلُمَّنا "قَطْعِيَّةً واحدةً" تتلقى الثوابَ من السماءِ وتُدَوِّرُه بينها بالدورِ كأنه شربةُ ماءٍ احترازيةٍ قبل السحور؛ أرادَت أن نلحقَ العرضَ دونَ وساطةٍ ربما، وأن نقرأ المصحفَ حبًا فيه لا انتظارًا للبليلة التي فيها صورتُها في قعرِ الطبق،كانت تهتم لأمرنا حتى بعد أنْ مَشَتْ.

كثيرًا ما تأمَّلْتُ في ارتباطِ رمضانَ تحديدًا-فضلًا عن بقية المواسم- باستدعاءِ القديمِ الحلو، ثم اكتشفْتُ أنها وصفةُ مُوَحَّدَةٌ لطبخِ البهجةِ ككل، كلُ حلوٍ في حياتِكَ لا بُدَّ أن يكونَ له عِرْقٌ يمِدُّ لسابعِ جَدٍّ في ذكرياتِ سنينكَ الأولى، هذا ماوَجْدْنا عليه بهجاتِنا على اختلافِها وهذا ما وَجَدَتْنا عليه، أنت ذو طفولةٍ فيها جَدَّةٌ لا تتوقفُ عن تقديمِ عروضٍ مغريةٍ تتعلقُ كلُّها بتسمينِ مزاجِك، إذن نَجَوْت!

طوبى لِمَنْ ارتاحَتْ في بالِه ذكرياتُ رمضان مع جَدَّةٍ تحفظُ الاكليشيهات المرشوشةِ بالحنيَّة، كأن تقولَ في إيقاظِكَ للصلاةِ مع الكبار (خيبة بالويبة، عرضٌ بالمجانِ يا نايم) وتظهر صورتُها في كل أطباقِ البليلةِ لاحقًا قعد الرحيل تقول: كَيْفَكُم!